قالت والدتي: "كان عمرك تسعة شهور عندما انتزعتك بسرعة وأنا أسمع صوت زخات الرصاص بالقرب من بيتنا، وضعتك فوق كومة الفراش على ظهر حمار جدك، كان هذا الحمار هو وسيلة مواصلاتنا الوحيدة إلى حقولنا، كان حمار جدك ينقل منتجاتنا من الحبوب والثمار إلى سوق المجدل، ويافا، كنتَ يا ولدي تنظر إلى السماء لأن صوت الطائرة كان يستولي على آذاننا، كنا نظن أن الطائرة توشك أن تُسقِط قنبلة فوق رؤوسنا، كل سكان قريتنا يتحدثون عن مجزرة دير ياسين، لا حديث سوى أخبار المجزرة والقتل والتهجير، حملتك بسرعة لأبعدك عن صوت الرصاص وصوت الطائرة، لم أكن أعلم أن صوت الطائرة خارج الغرفة كان أعلى من صوتها في الغرفة، كان جدك مُصرَّا على البقاء في غرفته، حاول والدك أن يحمله بقوة، ولكن جدك أصر على البقاء في غرفته، كان جدك أول الشهداء في قريتنا"
أعاد لي صوت أمي المسجل في شريط قديم ذكرى يوم النكبة 15-5-1948م، هذه الذكرى، لم تكن ذكرى أليمة فقط، بل كانت كارثة وطنية فلسطينية كبرى!
عندما قرأتُ التاريخ وجدت أن هذا اليوم لم يكن يوما محسوبا بالساعات، بل كان يقع ضمن مؤامرة كبيرة على وطننا، اعتدنا في كل عام أن ننكأ الجراح، ونمارس طقوسنا في هذا اليوم، وأول الطقوس هو طقس التسميات، هل ما حدث في هذا التاريخ كان كارثة أم نكبة، أم هو كارثة ونكبة في الوقت نفسه؟ اعتدت في كل عام أن أبحث في صفحات الكتب عن تاريخنا الفلسطيني، وعن طريقة احتفال الصهاينة المحتلين بهذا اليوم، كيف يُحيون يوم 14-5-1948م بمسيرات واحتفالات وبث أشرطة رقمية، كيف يُعيدون صياغة هذا اليوم باعتباره يوم بطولة، نحن نحزن لهذه الكارثة الكبرى، للأسف، ستظل روايتنا عن التشريد والتهجير مكررة ومنقوصة، لأننا لم نُحسن تسخير الفنون بمختلف أقسامها وتعزيز الثقافة وبرامج التربية والتعليم لنقل حقيقة المأساة، بصورة تُرغِّب الأجيالَ في فهم حقيقة ما جرى!
اقتبست من صحيفة، جورسلم بوست بعض الجمل من مقال، مارك ليفنسون يوم 11-5-2026م هذا الكاتب هو رئيس الحركة الصهيونية الأمريكية، كتب المقال بمناسبة ذكرى تأسيس إسرائيل، ودور أمريكا في هذا التأسيس، وهو يقارن بين تلك الذكرى، وبين ما يجري اليوم من أحداث بين إسرائيل وإيران، جاء في المقال: "تذكروا، أعلن، بن غريون في الساعة السادسة مساء يوم 14-5-1948م قيام دولة إسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة فقط، اعترف، هنري ترومان الرئيس الأمريكي بدولة إسرائيل، كان هو أول المعترفين بدولتنا، إن هذا الحدث يمثل الشراكة بين دولة أمريكا واليهود أصدق تمثيل، سيشارك في هذه السنة أكثر من مائة ألف من المحتفلين في مدينة نيويورك لتخليد هذه الذكرى بين الدولتين، لعبت أمريكا دورا محوريا في بناء إسرائيل، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، ففي مؤتمر، بالتيمور في نيويورك عام 1942م جرى إقرار تأسيس دولة يهودية في فلسطين في زمن الانتداب البريطاني، اعترف الرئيس ترومان بدولة إسرائيل بعد ست سنوات من مؤتمر بالتيمور"!
لم أكن أعرف سرَّ اعتراف أمريكا السريع بإسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة إلا بعد أن قرأت تاريخ الحدث، فقد كان، إدورد (إيدي) جاكوبسون المتوفى عام 1955م هو بطل هذا الاعتراف السريع، هذا الصهيوني الليتواني المولود لأبوين يهوديين، كان أقرب المقربين من الرئيس الأمريكي، هنري ترومان المسيحاني الصهيوني، كان صديقه الحميم في مرحلة الدراسة ومرحلة الشباب، حتى أن الاثنين افتتحا بالشراكة محلا لبيع الكرفتات والقبعات والأحزمة في مدينة كانساس سيتي، كما أن إيدي جاكوبسون كان تلميذا مُطيعا لفرانك غولدمان زعيم جمعية، بني بيرث اليهودية المؤثرة في السياسيين الأمريكيين!
نقلت الروايات التاريخية أنَّ، إدورد جاكوبسون، كان أول من عَلِمَ بإعلان دولة إسرائيل، طلب منه، بن غريون رئيس وزراء إسرائيل أن يحصل على اعتراف سريع بدولة إسرائيل، فأسرع إلى الرئيس ترومان في المكتب البيضاوي بدون موعدٍ مسبق، وأقنعه بضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل فورا، على الرغم من أن، جورج مارشال وزير خارجية أمريكا في ذلك الوقت كان يعارض إقامة دولة يهودية، رفض عدة مرات مقابلة، حايم وايزمن رئيس الجالية اليهودية، كان، جورج مارشال يسعى لتحقيق الاعتراف بحل الدولتين، أي قرار التقسيم، أي أنه كان أول الذين اعترفوا بحل الدولتين، إحداهما (عربية) والثانية يهودية!
💬 التعليقات (0)