في يوم من أيام مايو/ أيار 1991، أقلعت طائرة مروحية صغيرة من الخرطوم وعلى متنها ميليس زيناوي في طريقه إلى أديس أبابا لتسلم السلطة في بلده إثيوبيا بعد سنوات من "التمرد المسلح" ضد الحكومة الشيوعية بقيادة مانغستو هايلي ماريام. إلى جواره جلس قائد الطائرة، الفاتح عروة، ضابط الاستخبارات ومستشار الأمن القومي السوداني الأسبق، مرتديا زيا ميدانيا.
لم تكن الرحلة آمنة تماما؛ إذ تعطل أحد محركي الطائرة لعطل قرب مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق السودانية، قبل أن يعود إلى العمل، لكن الرحلة تواصلت رغم المخاطرة. حلقت الطائرة فوق الهضبة الإثيوبية، ومع الاقتراب من أديس أبابا، جرى الهبوط بشكل حلزوني حذر في ظل غياب ضمانات تأمين المطار. وبعد الوصول، أهدى زيناوي لعروة حزامه ومسدسه الشخصي.
تكشف لنا هذه الرواية، التي حكاها عروة في بودكاست "حكايات أفريقية" على منصة "أثير"، عن نمط حكم العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا لسنوات طويلة، حيث تداخلت الأدوار عبر الحدود، مع قدرة كل طرف على التأثير في مسار السلطة لدى الطرف الآخر. ويشير عروة إلى أن إثيوبيا كانت حاضرة دوما في "عقل النظام السوداني" بوصفها مسرح العمليات الرئيسي المحتمل، بحكم طول الحدود والتداخل القبلي بين البلدين، ما دفع الخرطوم إلى بناء اهتمام إستراتيجي خاص بها.
في هذا السياق، نسج عروة علاقات وثيقة مع زيناوي، قائد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي آنذاك، إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفورقي، في مواجهة نظام منغستو الذي حكم إثيوبيا منذ سقوط النظام الملكي عام 1974 وحتى مطلع التسعينيات، وكان يُنظر إليه في الخرطوم بوصفه "خصما" نظرا لدعمه الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، التي قادت "التمرد" في الجنوب السوداني.
"كان الرهان السوداني واضحا: استقرار جنوب السودان يبدأ من إزاحة نظام منغستو"
كان الرهان واضحا: استقرار جنوب السودان يبدأ من إزاحة منغستو. ومن هنا تشكل تحالف وثيق شمل تخطيطا مشتركا ودعما لوجستيا مباشرا. وتجلى ذلك في لحظة سقوط النظام الإثيوبي عام 1991، حين سارعت الخرطوم إلى استقبال زيناوي بوصفه رئيسا فعليا، قبل انتقاله إلى أديس أبابا لتولي السلطة. وفي ذلك المشهد، كان آبي أحمد، الذي سيقود إثيوبيا لاحقا، عنصرا شابا داخل أحد فصائل الجبهة الموسعة التي أطاحت بالنظام الشيوعي.
💬 التعليقات (0)