في الحالة الفلسطينية، لم تعد الانتخابات تُجرى للإجابة عن سؤال: من يُختار؟ بل للإجابة عن سؤال أكثر تواضعاً، وأشد خطورة وهو كيف نُدير غياب الاختيار، وكيف نبعد الاهتمام بالرئيسي " التوافق الوطني والانتخابات العامة الشاملة" من خلال إشغال الناس بالمسائل الأقل أهمية أو حتى الوهمية.
ما جرى في انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية ليس تفصيلاً عابراً، بل تعبير مكثّف عن حالة أوسع وصفتُها سابقاً بـ”الشرعية المُعلّقة والفعل المُعطَّل”. فعندما تتعطّل الشرعية الوطنية الشاملة، لا تختفي الحاجة إليها، بل يُعاد تفكيكها إلى مستويات أدنى، تُصمَّم فيها بدائل جزئية قابلة للضبط والسيطرة. بهذا المعنى، بدت الانتخابات المحلية الأخيرة محاولة لتعويض الغياب الكبير عبر “شرعيات” صغيرة مُفصّلة سلفاً. وقد بدأ ذلك باقرار نهج إقصائي يضمن هيمنة لون واحد، من خلال قانون انتخابي يستبعد من حيث المبدأ مشاركة قوى سياسية واجتماعية فاعلة من خلال شروط تمس الحقوق الدستورية للمواطنين. هذا في وقت يتراجع فيه الاهتمام الشعبي، تسجيلاً و اقتراعاً، بشكل ملحوظ مقارنة بالدورات السابقة، والتي لم تكن أصلاً محل حماسة واسعة. ويبدو أن هذا المسار لا يقتصر على الانتخابات المحلية في سياق هندسة أوسع للنظام السياسي. فقد سبق أن امتدّ إلى النقابات المهنية، تمهيداً لهندسة "تمثيلها " في المجلس الوطني، وفق النسق الإقصائي ذاته، بديلاً عن الانتخابات العامة البرلمانية والرئاسية، في إطار توافق وطني حقيقي يضمن أوسع مشاركة شعبية، ويحوّل الانتخابات ليس فقط مدخلًا لتجديد الشرعيات المتآكلة، بل وإلى رافعة لنهوض وطني حقيقي، لا أداة لإعادة إنتاج الإقصاء.
هندسة “التوافق” بدل التنافس والاحتكام للبرامج
لنأخذ الوقائع كما هي: أكثر من 50٪ من الهيئات المحلية لم تشهد انتخابات أصلاً. السبب هو هندسة "توافق” على نحوٍ يُفرِّغُها من معناها. فهذا “التوافق” لم يكن نتاج حوار مجتمعي حر، بل صيغة متذاكية لتعليق التنافس، وفصل الخدمة عن بعدها السياسي المرتبط بتعزيز الصمود بوصفه معياراً جوهريًا للتقييم ولمبرر وجود المؤسسات الوطنية. فحين تُفرض قائمة واحدة، لا يعود هناك ما يُحسم، بل ما يُعلَن فقط بعيداً عن الصندوق.
في نابلس، لم يُمنع التنافس بقرار صريح، بل جرى تفريغه من شروطه حتى بات مجرد احتمال نظري. وفي رام الله، التي طالما قُدّمت نموذجاً للتعددية، غابت الانتخابات كلياً، لا لعجزٍ عن إجرائها، بل لأن التنافس نفسه لم يعد خياراً مرغوباً. لسنا هنا أمام خلل تقني، بل أمام إعادة تعريف للمجال العام من فضاء مفتوح للتعدد، إلى ساحة مُدارة بنتائج مصمّمة سلفاً، في خدمة مسار سياسي يُعيد إنتاج نفسه. ذلك لا يُعفي قوى سياسية ومجتمعية أخرى تماهت مع هذا النسق، سواء بالمشاركة الشكلية الملحقة أو باللامبالاة.
المفارقة،ذات البعد الكوميدي المرّ، أن كل ذلك جرى تحت عنوان “تعزيز الديمقراطية المحلية”؛ ديمقراطية لا تحتاج إلى انتخابات في نصف الحالات، ولا إلى منافسة برنامجية في النصف الآخر، ولا إلى مفاجآت في أيٍّ منهما.
💬 التعليقات (0)