جنين - شبكة قدس الإخبارية: لم يكن عماد أبو الهيجاء يتخيّل أن يأتي يوم يقف فيه أمام ما بناه بيديه، لا ليصلحه أو يوسّعه، بل ليفكّكه استعدادًا للرحيل. ثلاثون عامًا من العمل في خربة سروج غربي بلدة اليامون، غرب جنين، تتقلّص اليوم أمامه إلى حظائر تُهدم وممتلكات تُجمع، فيما يظل السؤال الأصعب معلّقًا: إلى أين يذهب بعد كل هذه السنوات؟
يمدّ عماد يديه إلى ما تبقّى من حظائر أغنامه، ويحاول أن يتعامل مع ما يجري باعتباره أمرًا لا مفرّ منه. لم يعد الأمر متعلقًا بتغيير مكان السكن أو البحث عن أرض أخرى؛ فالعائلات التي أُجبرت على مغادرة الخربة لا تملك ترف اختيار موعد الرحيل ولا ظروفه. أمامها مهلة تضيق، وتهديد واضح بأن الجرافات ستدخل لتسوية المكان بالأرض إذا لم يبدأ السكان بتفكيك منشآتهم بأنفسهم.
يقول عماد إن الاحتلال أجبرهم على الرحيل بذريعة إقامة مشاريع ومناطق صناعية وبؤر استيطانية، مضيفًا: «نحن الآن نعيش نكبة ثانية ونفكك شقاء ثلاثين عامًا بنيناه بأيدينا، لنواجه التشتيت في العراء ومستقبلًا مجهولًا مع اقتراب فصل الشتاء، وسط غياب تام لتدخل المؤسسات الإنسانية والدولية».
في عبارته، لا تبدو السنوات الثلاثون مجرد مدة عاشها في المكان، بل حياة كاملة صار مطالبًا بالتخلي عن مقوماتها. فالحظائر التي أقامها لتربية الأغنام ليست أبنية منفصلة عن يومه؛ إنها جزء من مصدر رزقه، ومن تفاصيل الاستقرار الذي حاول أن يصنعه لعائلته. وحين تُفكّك، لا يبقى أمامه أن يبحث عن مأوى فحسب، بل أن يعيد ترتيب حياة ارتبطت بالأرض والعمل، من دون ضمانات لما ينتظره في الوجهة التالية.
لم يكن عماد وحده أمام هذا المصير. فقد بدأت عشر عائلات في خربة سروج إخلاء منازلها وحظائر الأغنام والدواجن، بعدما أبلغتها قوات الاحتلال بضرورة المغادرة الفورية. وطُلب من الأهالي إرسال صور ومقاطع فيديو تثبت شروعهم في هدم منشآتهم بأيديهم، تحت تهديد دخول الجرافات وتسوية الخربة بالأرض إذا لم يمتثلوا.
هكذا أصبح السكان مطالبين بتوثيق بداية خسارتهم، وكأن عليهم أن يثبتوا أنهم ينفذون الرحيل الذي فُرض عليهم. لا يُطلب منهم أن يختاروا ما يريدون الاحتفاظ به، أو أن يحصلوا على وقت كافٍ لتدبير شؤونهم، بل أن يشرعوا في تفكيك ما يملكونه قبل أن تتولى الجرافات المهمة.
التعليقات (0)