f 𝕏 W
الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأسيس سينما الثورة إلى شهادة غزة

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأسيس سينما الثورة إلى شهادة غزة

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يستعرض الخبر مسيرة المصور الفلسطيني هاني جوهرية، الذي يعتبر أول مصور سينمائي يستشهد في ميدان القتال بعد الحرب العالمية الثانية عام 1976، وذلك أثناء توثيقه لمعركة الجبل في لبنان. تُبرز الذكرى الخمسين لاستشهاده قيمة الصورة كفعل مقاومة، وهو ما يتجلى مجدداً في الحرب الأخيرة على غزة، حيث استشهد العديد من المصورين والصحفيين أثناء توثيقهم للأحداث. تُعد أعمال جوهرية، التي أسس بها سينما الثورة الفلسطينية، بمثابة اعتراض على الواقع وحلم بالمستقبل، وتجسيداً لموقف نقدي يهدف إلى إثبات الوجود الفلسطيني ورفض الروايات المعادية.
أبرز النقاط

الأحد 23 أغسطس 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

في الحادي عشر من نيسان عام 1976، وعلى مرتفعات عينطورة بلبنان، أصابت شظية مدفعية جسد المصور الفلسطيني هاني جوهرية وهو يوثّق "معركة الجبل" بكاميرته. وبذلك يكون أول مصور سينمائي يستشهد في ميدان القتال بعد الحرب العالمية الثانية، تاركاً خلفه كاميرا محطمة وعلبة فيلم ممزقة، تحوّلتا لاحقاً إلى أيقونة محفوظة في صندوق زجاجي بأرشيف السينما الفلسطينية. واليوم، بعد نصف قرن بالتمام، تُستعاد سيرة جوهرية بوصفها مساءلة لمعنى أن تكون الصورة فعل مقاومة، وهو السؤال الذي تعيد الحرب الأخيرة على غزة طرحه بإلحاح مأساوي، مع استشهاد العديد من المصورين خلالها فضلا عن الصحفيين.وُلد جوهرية عام 1939 في حي القطمون بالقدس، لأسرة مقدسية مرتبطة بالفن، فوالده فخري كان عازف قانون ومديراً لمدارس القدس، وعمّاه واصف جوهرية وتوفيق جوهرية كانا موسيقياً ورساماً. اقتنى كاميرته الأولى وهو في السابعة عشرة من جناح الاتحاد السوفييتي في معرض دمشق الدولي عام 1956، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة عام 1964 ثم يكمل تخصصه في لندن. المنعطف الحاسم في مساره كان سياسيا، فبعد هزيمة حزيران 1967 وما رافقها من نزوح جماعي وثّقه بكاميرته على جسر الملك حسين، قرر جوهرية التفرغ الكامل للعمل النضالي. عام 1967 أسّس برفقة سلافة جاد الله ومصطفى أبو علي أول قسم للتصوير تابع لحركة فتح، ثم أرسى معها عام 1968 اللبنات الأولى للأرشيف الفوتوغرافي للثورة الفلسطينية، قبل أن يستقيل رسمياً من وزارة الإعلام الأردنية عام 1969 ليتفرغ كلياً لـلعمل في وحدة أفلام فلسطين.تتوزع أعمال جوهرية بين مرحلتي وزارة الإعلام الأردنية ووحدة أفلام فلسطين، وكل فيلم منها كان تجسيداً لفكرة سياسية أو أخلاقية بعينها، فيلمه "الأرض المحروقة" رصد سياسات تدمير البيئة الفلسطينية، وفيلم "لا للحل السلمي" (1969) وثّق الرفض الجماهيري لمشروع روجرز، فيلم "شهادة الأطفال في زمن الحرب" (1969) قدّم الضحايا الأبرياء كوعي مبكر لدى الجيل الجديد، وفيلم "بالروح بالدم" (1970) رصد التلاحم بين الجماهير والمقاومة عقب أيلول الأسود، و"على طريق النصر" (1975) أضاء البعد التعليمي لأبناء الشهداء والأسرى، أما "المفتاح" (1976)، آخر أعماله، فكثّف رمزياً مأساة اللجوء وحق العودة. هذه الأفلام كانت -كما يصفها الناقد سليم النجار في كتابه "الكاميرا تشرق من القدس" الصادر عام 2019- تجسيداً لموقف نقدي من الواقع، إذ يقول النجار في شهادته: "الصورة عن هاني، أو لنقل فلسفة هاني للصورة، هي اعتراض على ما هو كائن، وحلم بما سيكون، والمصوّر أداة للتغيير، وبهذا المعنى فإنّ كل صورة هي صورة مقاومة".ما يمنح تجربة جوهرية بعدها الثقافي المؤسِّس هو أنها كانت مشروعاً واعياً لمواجهة الدعاية الصهيونية القائلة بأن فلسطين "أرض بلا شعب"، عبر إعادة تصوير الفلسطيني حياً ومتعلماً ومقاتلاً على أرضه. صاغ رفيقه المخرج مصطفى أبو علي جوهر هذا المشروع بعبارته الشهيرة: "بالنسبة لنا نحن السينمائيين الفلسطينيين.. الكاميرا هي كلاشينكوف سريعة التقاط الصور". وقد رفض جوهرية عمداً منطق تقديم الفلسطيني كضحية مستكينة، مؤسساً لما يمكن تسميته "الفدائي السينمائي"، أي المصور الذي يتقدم صفوف المقاتلين لا يتبعهم. يصف الدكتور عز الدين مناصرة هذا الحضور الميداني بقوله: "هاني جوهرية كان يتعرض للخطر يومياً، لأنه دائم التصوير... عندما كنتُ أنظر إليه، وهو يحمل الكاميرا على كتفه، ترتسم أمامي صورة البندقية، بدلاً من الكاميرا". أما القيادي خليل الوزير "أبو جهاد" فقد لخّص هذه الأولوية الاستراتيجية للصورة في مقولته: "نجد آلاف المقاتلين، ولكننا لا نجد مصورين"، وهي العبارة التي حكمت قرار نقل المصورين الموهوبين من خطوط القتال إلى وحدة التصوير.ولم يكن هذا المشروع منقطعاً عن بُعد جمالي مدروس؛ ففي معرضه الفوتوغرافي بعمان عام 1969 عن معركة الكرامة، تعمّد جوهرية جعل خلفية صور الدمار باللون الأبيض الناصع، في اختيار رمزي يكشف زيف الرواية الصهيونية ويؤكد نقاء المقاومة، وهو ما جعل رفاقه يلقبونه بـ"القلب الأبيض للثورة". ويرى رسمي أبو علي أن جوهرية "استطاع تصوير الجانب الجذاب والإنساني والمشرّف للثورة الفلسطينية... وقد انتشرت صُوَرُه في أوروبا بسبب جمالها وبراعتها، وجذبت عدداً من اليساريين والإنسانيين للتضامن مع الثورة".وهنا يكمن الخيط الذي يصل جوهرية بغزة اليوم. كان التحدي أمام جيل التأسيس هو انتزاع الاعتراف بوجود الفلسطيني إنساناً لا شبحاً، مقاتلا من أجل استعادة وطنه لا إرهابيا، عبر كاميرا تخترق حصاراً إعلامياً غربياً شبه تام. أما في الحرب الأخيرة على غزة، فقد تحوّلت وظيفة الصورة من تثبيت الوجود إلى التوثيق الحي لجرائم الإبادة والتهجير، حيث غدت كاميرا الهاتف أداة إثبات قانوني وأخلاقي تخترق التضليل الرسمي وتصل إلى مختلف فضاءات العالم. وكما دفع جوهرية حياته ثمناً لبقائه في خط النار الأول، دفع مصورون وصحفيون فلسطينيون في غزة -وعشرات الشهداء من الكوادر الإعلامية- الثمن ذاته، مستمرين في التصوير رغم فقدان بيوتهم وعائلاتهم، وكأنهم يستنسخون عقيدة الكاميرا-البندقية التي صاغها جوهرية قبل خمسين عاماً: أن الكاميرا أشد خطراً على الاحتلال من أي سلاح تكتيكي، ولهذا بالضبط تُستهدف العدسات بالاغتيال.بعد نصف قرن، لا تزال كاميرا هاني جوهرية المعطوبة -من طراز بوليكس- شاهدة صامتة في أرشيف السينما الفلسطينية على أن التصوير في سياق التحرر وثيقة بقاء. وحين نستذكر مشهد المصورين الفلسطينيين وهم يوثقون إبادة غزة بالهاتف بعدما فقدوا كل أدواتهم الأخرى، نستعيد بصورة غير مباشرة وصية جوهرية نفسه حين قال لصديقه فلاديمير تماري في بيته الخالي من الأثاث بعمان: "هكذا تكون الثورة.. يجب أن نوفر قدر ما نقدر فلا تهمني المظاهر". فالعدسة التي وثّقت ولادة الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي هي ذاتها، بمعنى ما، التي تُعري اليوم إبادة غزة وتكتب سجل الحرية، لتؤكد أن الصورة الفلسطينية لا تموت باستشهاد حاملها، وتشرق من جديد في يد كل من يرفع الكاميرا من أجل الحرية ودفاعاً عن الحقيقة.

الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأسيس سينما الثورة إلى شهادة غزة

اللواء بلال النتشة : الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)