الأحد 23 أغسطس 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس
كنت أتمنى أن أكون حاضرًا في الندوة الحوارية الاستراتيجية التي عقدها معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي تحت عنوان " التعليم ركيزة الأمن القومي"، خاصة أن عنوانها يلامس قضية أؤمن بأهميتها وأكتب فيها منذ فترة: موقع التعليم في المشروع الوطني الفلسطيني، وعلاقته بالصمود والهوية وبناء الإنسان. وقد حالت ظروف طارئة دون مشاركتي، رغم أنني كنت قد أعددت نفسي للحضور والمداخلة. لذلك وجدت أن أفضل مساهمة ممكنة هي أن أضع بعض الأفكار التي كنت أود طرحها في الندوة في هذا المقال، خصوصًا أن القضية أكبر من فعالية عابرة ، إنها سؤال يتعلق بمستقبلنا الوطني نفسه.حين نتحدث عن الأمن القومي، يتجه التفكير عادة إلى حماية الأرض والحدود والمؤسسات والاستقرار السياسي والأمني. وهذا صحيح، لكنه لم يعد كافيًا. فالأمن القومي، في مفهومه الحديث، هو قدرة الدولة والمجتمع على حماية وجودهما وهويتهما ومصالحهما ومواردهما، وضمان تماسكهما واستمرارهما وقدرتهما على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.وبهذا المعنى، فإن الأمن القومي ليس أمنًا عسكريًا وسياسيًا فقط ، بل يشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والصحي والثقافي والرقمي، وفي قلب هذه المنظومة يأتي الأمن التربوي.وأقصد بالأمن التربوي قدرة المجتمع على امتلاك منظومة تعليمية وطنية مستقرة وعادلة وذات جودة، تضمن حق الأجيال في المعرفة، وتصون الهوية والذاكرة والرواية الوطنية، وتبني التفكير النقدي والقدرة على التحليل، وتؤهل الإنسان للتعامل مع التحولات العلمية والتكنولوجية من موقع الفاعل لا المستهلك.وبعبارة أكثر اختصارًا: إذا كان الأمن القومي يحمي وجود المجتمع، فإن الأمن التربوي يحمي عقل هذا المجتمع وقدرته على الاستمرار.في الحالة الفلسطينية تحديدًا، يصبح هذا الترابط أكثر وضوحًا. فنحن لا نعيش في ظروف دولة طبيعية، بل في مواجهة احتلال يستهدف الأرض والإنسان، ويخوض معنا أيضًا صراعًا على التاريخ والجغرافيا والذاكرة والرواية.ولهذا فإن المدرسة الفلسطينية ليست مجرد مكان لتقديم خدمة تعليمية، والمنهاج ليس مجموعة كتب، والمعلم ليس ناقلًا للمعلومات فقط. إنها جميعًا مكونات في منظومة الصمود الوطني.لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن تعطيل التعليم يمكن أن يصبح أداة ضغط على المجتمع ، مدرسة قد تغلق، وطريق قد يقطع، ومخيم قد يحاصر، وطالب قد يُمنع من الوصول إلى جامعته. ومع ذلك ظل الفلسطيني ينظر إلى التعليم بوصفه أحد أهم مصادر قوته.وحتى في السجون والبيئات القسرية، حيث تُسلب من الإنسان أدوات كثيرة، بقي التعليم وسيلة لحماية الذات والوعي والكرامة والقدرة على التفكير. وهذا درس ينبغي ألا نتعامل معه باعتباره مجرد تجربة إنسانية، بل باعتباره جزءًا من فهمنا الفلسطيني للأمن القومي: المعرفة نفسها أداة من أدوات الصمود.ومن هنا أعود إلى النقاش الذي دار مؤخرًا حول الكتاب المدرسي ومصادر التعليم المفتوحة.لقد قلت سابقًا إن النقاش يجب ألا يتحول إلى مواجهة بين الكتاب والتكنولوجيا، ولا إلى مفاضلة مبسطة بين تعليم :"قديم" وآخر "حديث". والسؤال الأهم هو: ما النموذج الذي يضمن للطفل الفلسطيني تعلمًا أفضل وأكثر عدالة، ويحافظ في الوقت نفسه على مرجعيته المعرفية والوطنية؟فالكتاب المدرسي الفلسطيني ليس مجرد أوراق ودروس. في ظروفنا هو أيضًا إحدى أدوات السيادة المعرفية الوطنية ، من خلاله نحدد جزءًا أساسيًا مما ينبغي أن يعرفه الطفل عن نفسه ووطنه وتاريخه وجغرافيته وثقافته، ونوفر للطلبة مرجعية تعليمية مشتركة بصرف النظر عن تفاوت ظروفهم الاقتصادية أو الجغرافية.لذلك، فإن إضعاف الكتاب المدرسي دون بناء بديل وطني منظم لا يمثل بالضرورة تحديثًا تربويًا. بل قد يقود إلى فوضى معرفية وتفاوت أكبر بين الطلبة، والأسوأ أن يترك جزءًا من تشكيل وعي أبنائنا لمنصات وخوارزميات لا نملكها ولا نعرف دائمًا المعايير والروايات والقيم التي تقف خلفها. لكن الدفاع عن الكتاب لا يعني الدفاع عن الجمود.الكتاب وحده لم يعد كافيًا لطفل يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والانفجار المعرفي. ولا يمكن أن نطالب الطالب بالبقاء أسير مصدر واحد، بينما يستطيع الوصول خلال ثوانٍ إلى مكتبات ومختبرات ومحاكاة ومصادر معرفة من مختلف أنحاء العالم.هنا تبرز القيمة الكبيرة لمصادر التعليم المفتوحة. فهي توسع المعرفة، وتمنح المعلم مساحة أكبر للإبداع، وتشجع الطالب على البحث والتعلم الذاتي، وتسمح بتحديث المحتوى بوتيرة أسرع، وتفتح المدرسة الفلسطينية على المعرفة العالمية.لكن علينا أن ننتبه إلى قاعدة أساسية: الانفتاح المعرفي يحتاج إلى مرجعية وطنية.فليس كل ما هو متاح على الإنترنت معرفة صحيحة، وليس كل ما تنتجه الخوارزميات محايدًا، وليس كل محتوى رقمي مناسبًا تربويًا وثقافيًا ووطنياً.وفي عصر الذكاء الاصطناعي يصبح السؤال أكثر خطورة. لم يعد السؤال فقط: ماذا يقرأ أبناؤنا؟ بل: من يصنع الإجابات التي يتلقونها؟ ومن يرتب لهم مصادر المعرفة؟ وأي قيم وروايات وانحيازات تحملها الخوارزميات التي يتعاملون معها؟وهنا تنتقل قضية التعليم المفتوح والذكاء الاصطناعي من المجال التقني إلى مجال الأمن التربوي والسيادة المعرفية، ومنهما مباشرة إلى الأمن القومي.لهذا أعتقد أن الخيار الفلسطيني الصحيح ليس كتابًا مغلقًا في مواجهة عالم مفتوح، وليس عالمًا رقميًا بلا مرجعية. المطلوب هو نموذج تعليمي فلسطيني تكاملي.كتاب مدرسي وطني يشكل المرجعية الأساسية والمنظمة للتعلم، وإلى جانبه مصادر تعليم مفتوحة ورقمية وأدوات ذكاء اصطناعي توسع المعرفة وتثري تجربة الطالب والمعلم.وقد يكون أحد المشاريع الاستراتيجية التي تستحق أن نبدأ بها إنشاء منصة وطنية فلسطينية لمصادر التعليم المفتوحة مرتبطة بالمناهج الفلسطينية، تخضع لمعايير علمية وتربوية ولغوية ووطنية واضحة.ولا أقصد منصة تكون مجرد مستودع إلكتروني للملفات والكتب، وإنما بيئة معرفية وطنية حديثة تضم المحتوى التفاعلي والفيديو والمحاكاة والمراجع والأنشطة وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتسمح للطالب بأن ينطلق من كتابه إلى عالم المعرفة، وللمعلم بأن ينتقل من ناقل للمعلومة إلى موجه للعملية التعليمية.وأذهب أبعد من ذلك: علينا أن ننظر إلى مثل هذه المنصة بوصفها جزءًا من البنية التحتية للأمن القومي الفلسطيني، تمامًا كما ننظر إلى قواعد البيانات وشبكات الاتصالات والأرشيف الوطني. لأن من يمتلك البنية التي تنتج المعرفة وتنظم الوصول إليها، يمتلك جزءًا مهمًا من قدرته على حماية مستقبله.ومن هنا أرى أن بناء الأمن التربوي الفلسطيني يجب أن يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: حماية الوصول إلى التعليم، وحماية جودة المعرفة، وحماية السيادة على المرجعية المعرفية الوطنية.إذا فقدنا الأول، أصبح التعليم امتيازًا لمن يستطيع الوصول إليه. وإذا فقدنا الثاني، أصبح لدينا تعليم بلا قدرة حقيقية على بناء الإنسان. وإذا فقدنا الثالث، فقد ننجح تقنيًا في تعليم أبنائنا، لكننا نفقد تدريجيًا القدرة على تحديد ماذا يتعلمون، ولماذا، ومن أي منظور.وهذا يضع مسؤولية الأمن التربوي على الدولة والمجتمع معًا، فلا يمكن أن يبقى التعليم ملفًا يخص وزارة التربية والتعليم وحدها. الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية والإعلامية والقطاع التكنولوجي والأسرة والمجتمع المدني جميعها شركاء في بناء هذه المنظومة.كما أن الاستثمار في المعلم، وفي التفكير النقدي، وفي التعليم المهني والتقني، وفي البحث العلمي والابتكار، ليس إنفاقًا قطاعيًا، بل استثمار في رأس المال البشري وفي قدرة المجتمع على الصمود والاستقلال واتخاذ القرار.أمام التحولات الهائلة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي، لم يعد كافيًا أن نسأل: كيف نُدخل التكنولوجيا إلى المدرسة؟السؤال الأصعب الذي يجب أن يشغلنا هو: كيف نُدخل العالم إلى المدرسة الفلسطينية دون أن نفقد فلسطين داخل المدرسة؟هذه، في اعتقادي، هي معادلة المستقبل. أن ننفتح على المعرفة العالمية بلا خوف، وأن نوظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بأقصى ما نستطيع، وأن نعلم أبناءنا التفكير والنقد والبحث والابتكار، ولكن من داخل مشروع تربوي وطني يعرف ماذا يريد من التعليم، وأي إنسان فلسطيني يريد أن يبني.إن حماية الأرض والمؤسسات جزء أساسي من الأمن القومي، لكنها لا تكفي إذا لم نحمِ الإنسان الذي سيدافع عنها ويبنيها. وحماية الإنسان تبدأ من عقله ووعيه ومعرفته وهويته.ولهذا فإن التعليم ليس قطاعًا من قطاعات الدولة فحسب، بل أحد خطوط دفاعها الأولى. فالدولة التي لا تمتلك مشروعها التعليمي، ولا تنتج معرفتها، ولا تحمي ذاكرة أجيالها، ولا تعد أبناءها لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، ستجد نفسها مع الوقت أضعف في حماية اقتصادها وثقافتها وقرارها الوطني.ومن هنا، فإن التعليم ركيزة للأمن القومي، والأمن التربوي ليس فرعًا هامشيًا منه، بل هو استثمار طويل المدى في بقاء المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود وصناعة مستقبله بإرادته.
التعليم ركيزة الأمن القومي
اللواء بلال النتشة : الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)