الأحد 23 أغسطس 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس
في الضفة الغربية نمتلك ثروة لا تحتاج إلى أرض أو مصانع ضخمة أو حرية حركة للبضائع حتى تبدأ بالنمو، إنها الثروة الرقمية. وفي رأيي، مشكلتنا ليست أننا بعيدون عن التكنولوجيا، بل ربما العكس تمامًا؛ نحن من أكثر المجتمعات استهلاكًا للأدوات والمنصات الرقمية قياسًا بحجم سوقنا، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الاستهلاك إلى إنتاج ودخل واقتصاد رقمي حقيقي. نحن نشتري الهواتف، ندفع مقابل الإنترنت والاشتراكات، نقضي ساعات على فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، ونستهلك المحتوى والإعلانات والخدمات الرقمية، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس كم نستخدم الإنترنت، بل: ماذا ننتج من خلاله؟الأرقام تؤكد أننا أمام مجتمع متصل رقميًا بدرجة كبيرة. وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وصلت نسبة الأسر التي لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت في المنزل إلى نحو 93.5% عام 2023، بينما يشير تقرير Digital 2025 الصادر عن DataReportal إلى وجود نحو 4.8 مليون مستخدم للإنترنت في فلسطين، بنسبة انتشار تقترب من 86.6% من السكان. هذه الأرقام تعني أن المشكلة لم تعد في الوصول إلى التكنولوجيا، بل في قدرتنا على تحويل هذا الوصول إلى قيمة اقتصادية. وهنا تظهر ما أسميه الثروة الرقمية المفقودة في الضفة الغربية؛ فنحن نستهلك منتجات وخدمات ومنصات أنتجها الآخرون، بينما ما زالت حصتنا من إنتاج وتصدير الخدمات الرقمية والبرمجيات والمحتوى والتجارة الإلكترونية والعمل الحر أقل بكثير من الإمكانات المتاحة.وهذا لا يعني أنني أطالب الناس بالتوقف عن استخدام منصات التواصل الاجتماعي أو شراء التكنولوجيا، فالاستهلاك جزء طبيعي من أي اقتصاد. القضية بالنسبة لي هي اتجاه القيمة والأموال. عندما يدفع الفلسطيني مقابل منصة أو تطبيق أو إعلان أو خدمة رقمية خارجية، يخرج جزء من الأموال من الدورة الاقتصادية المحلية. المطلوب أن نبني الاتجاه المقابل أيضًا: أن يدفع شخص في الخليج أو أوروبا أو الولايات المتحدة مقابل خدمة أنتجها فلسطيني في نابلس أو رام الله أو الخليل أو جنين. مصمم يبيع تصميمه، ومبرمج يطور نظامًا، ومسوق يدير حملات لشركات خارج فلسطين، ومستشار يقدم خبرته عن بعد، وصانع محتوى يبني أصلًا رقميًا، ومتجر فلسطيني يصل إلى أسواق خارجية. عندها يتحول الإنترنت من فاتورة استهلاك إلى بوابة تصدير.وهذه الإمكانات ليست مجرد تصور نظري. البنك الدولي أشار في تقييمه للاقتصاد الرقمي الفلسطيني إلى أن إمكانات التحول الرقمي الفلسطيني لم تُستثمر بالكامل، وأن الاقتصاد الرقمي يستطيع المساهمة في تعزيز القدرة التنافسية والوصول إلى الأسواق العالمية وخلق فرص العمل ومصادر جديدة للدخل. وتزداد أهمية ذلك عندما نضع أمامنا واقع سوق العمل؛ فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن معدل البطالة في الضفة الغربية بلغ نحو 28.7% خلال عام 2025. هنا تظهر المفارقة بوضوح: لدينا شباب وجامعات ومهارات وانتشار واسع للإنترنت، وفي المقابل لدينا بطالة مرتفعة وسوق محلية محدودة، فلماذا لا يصبح تصدير الخدمات الرقمية الفلسطينية جزءًا أساسيًا من رؤيتنا الاقتصادية؟اليوم يضيف الذكاء الاصطناعي فرصة أكبر، لأنه خفّض تكلفة الدخول إلى مجالات عديدة مثل البرمجة والتصميم والترجمة والتسويق وتحليل البيانات وصناعة المحتوى وخدمة العملاء. لكن الخطر أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها؛ أن نستخدم الأدوات وندفع الاشتراكات وننتج الصور والنصوص، ثم نبقى مستهلكين لما ينتجه الآخرون. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى زيادة في الإنتاجية والدخل وفرص العمل والخدمات القابلة للتصدير.لذلك أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يشغل الجامعات والمؤسسات والشركات والشباب ليس: كيف نستخدم التكنولوجيا؟ بل: كيف نربح وننتج ونصدر من خلالها؟ نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة الاستخدام إلى ثقافة الإنتاج، ومن تعلم الأدوات إلى بناء المهارات، ومن إدارة حساب على منصة إلى بناء أصل رقمي، ومن السوق المحلية المحدودة إلى السوق العربية والعالمية. الثروة الرقمية الفلسطينية ليست مفقودة لأنها غير موجودة، بل لأنها موجودة بين أيدينا ولم نحولها بعد إلى قيمة اقتصادية بالحجم الذي نستطيع تحقيقه.
الثروة الرقمية المفقودة في الضفة: نستهلك التكنولوجيا أكثر مما نستثمر فيها
د. سماح جبر - استشارية الطب النفسي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)