على أبواب انتخابات " الكنيست " وبعد امتناع دام لعقود ، نشرت سلطات الاحتلال الاسبوع الماضي أول عطاء لبناء عدد كبير من الوحدات الاستيطانية في المشروع الاستيطاني " E1" لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بمدينة القدس. كانت الحكومات الاسرائيلية قد امتنعت على مدى أكثر من ثلاثة عقود، عن المضي في المشروع بسبب المعارضة الدولية الواسعة . وجاء نشر العطاء بينما لا تزال الإجراءات القضائية المتعلقة بالمشروع منظورة أمام المحكمة المركزية في القدس، وقبل أن تقدم دولة الاحتلال ردها الرسمي على الالتماس ، الذي تقدمت به جمعيات "عير عميم"، "بمكوم"، "السلام الآن"، إلى جانب عدد من التجمعات الفلسطينية بوقف العمل في هذا المشروع . ويشمل العطاء بناء 1234 وحدة استيطانية، من أصل 3401 وحدة صودق عليها ضمن مشروع "E1". وتتوزع الوحدات السكنية على 7 مجمعات بناء منفصلة داخل المخطط الجنوبي على تلة تقع شمال الطريق السريع رقم 1 (الواصل بين القدس وأريحا)، وضمن ما يسمى النفوذ البلدي لـمُستوطنة "معاليه أدوميم".
وفي موقفها أوضحت هذه الجمعيات ما يلي : " في 19 تموز، أبلغت نيابة الدولة الإسرائيلية مقدّمي الالتماس بأنه لا يُتوقع نشر أي عطاءات تتعلق بمشروع (E1) خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة التالية، وتعهدت بإبلاغهم مسبقاً إذا قررت الحكومة المضي قدماً في نشر أي عطاء. إلا أن الحكومة نشرت، يوم الثلاثاء الماضي أول عطاء دون أي إشعار مسبق. وأضافت " إن هذا السلوك يمثل خرقاً فاضحاً للثقة، ويقوض مبدأ حسن النية الذي تقوم عليه العلاقة بين الدولة والأطراف في الإجراءات القضائية وأن القرار يمثل خطوة ذات تداعيات سياسية بعيدة المدى. فعلى مدار أكثر من ثلاثين عاماً، امتنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عن المضي في مشروع (E1) بسبب تداعياته المعروفة. واليوم، تختار الحكومة إطلاق المرحلة الأولى من أحد أكثر المشاريع الاستيطانية إثارةً للجدل على المستوى الدولي، بينما لا تزال الإجراءات القضائية جارية، وقبل أن تقدم حتى ردها إلى المحكمة، وفي خرق واضح لالتزام صريح تجاه مقدّمي الالتماس. إن حكومة تدّعي احترام سيادة القانون لا يمكنها أن تتعامل مع التزاماتها تجاه القضاء، وأطراف الإجراءات القضائية، والجمهور، وكأنها مسألة اختيارية".
وبالعودة الى أصل المخطط ، فإن منطقة (E1 ) تمتد على مساحة تقارب 12 كيلومتراً مربعاً (12,000 دونم) وتقع تحديداً بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم" . وقد جرى طرح فكرة المخطط لأول مرة في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1994، وجرى توسيع النفوذ البلدي لمستوطنة "معاليه أدوميم" ليضم هذه المنطقة بهدف خلق تواصل استيطاني يربطها بالقدس. وفي أواخر التسعينات صادق وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو، على المخطط الهيكلي الأولي للمنطقة (الذي يحمل الرقم 420/4) لتخصيص الأراضي للبناء السكني والتجاري والسياحي. وعلى الرغم من تجميد الشق السكني، شيدت سلطات الاحتلال مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية (لواء قضاء السامرة واليهودا) فوق تلال ( E1 ) بالإضافة إلى شق طرق بنية تحتية تمهيداً للبناء في المستقبل .
وتجد الجمعيات الاسرائيلية المذكورة في القانون الدولي مركز قوة لها في محاولاتها وقف العمل بهذا المخطط الخطير ، حيث تجمع المنظمات الأممية ومراجع القانون الدولي على أن المشروع الاستيطاني في منطقة E1 يمثل انتهاكاً جسيماً يختلف في خطورته السياسية والجغرافية عن بقية المشاريع الاستيطانية. ويتلخص موقف القانون الدولي والمنظمات الأممية من هذا المخطط بأنه يشكل مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة ، حيث تحظر المادة 49 من الاتفاقية على القوة المحتلة نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. كما يصنف نظام المحكمة الجنائية الدولية الاستيطان ونقل السكان كـ "جريمة حرب" تدخل ضمن اختصاصها القضائي . والى جانب ذلك تلقي قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ، وخاصة القرار رقم 2334 (2016) بثقلها على هذا الوضع ،
ورغم عدم نزاهة القضاء الإسرائيلي في قضايا الاستيطان، إلا أن الجمعيات المذكورة تجد في استخدام أدوات الضغط القانونية خطوة إجرائية لتعطيل المخطط بمكنها من التقدم بالتماس عاجل للمحكمة المركزية أو العليا، بناءً على نكث "دائرة أراضي إسرائيل" لتعاقدها والتزامها القضائي الذي تعهدت فيه بعدم نشر عطاءات دون إشعار مسبق وإتاحة فرصة للاعتراض والعمل على استصدار قرار قضائي مستعجل بتجميد إجراءات العطاء ووقف تلقي عروض المقاولين إلى حين البث في قانونية الإجراءات الاسرائيلية ، بما فيها تقديم اعتراضات قانونية تثبت وجود ملكيات خاصة فلسطينية (طابو أو مالية) داخل حدود المخطط رقم 420/4/7 تفنيداً لادعاءات أنها "أراضي دولة" وتفعيل أدوات القانون الدولي ومخرجات محكمة العدل الدولية ، واستنادا للرأي الاستشاري (تموز 2024) واستخدام قرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاستيطان والوجود الإسرائيلي في الضفة والقدس باطلاً وغير قانوني كمرجعية رئيسية في الرسائل القانونية الموجهة للشركات الدولية؛ لتحذيرها من مغبة المشاركة في العطاء
كما أصدرت سلطات الاحتلال ، الثلاثاء الماضي ، أمرا عسكريا يقضي بالاستيلاء على نحو 1152 دونمًا من أراضي كل من سنجل واللبن الشرقية وقريوت، بهدف توسيع مستوطنة " كرمي عوز " ( الاسم الجديد للبؤرة الاستيطانية " غفعات هريئيل " ) وتعزيز التواصل الجغرافي بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية ، القائمة في منتصف الطريق بين مدينتي نابلس ورام الله . وتقع الأراضي المستهدفة في الحوض الطبيعي رقم 6 من أراضي سنجل في موقع "المغريات"، وفي الأحواض 1 و2 و3 من أراضي اللبن الشرقية، في مواقع "خربة عياد" و"وادي علي" و"الرهوات". كما تشمل الأحواض الطبيعية 1 و4 و5 و6 من أراضي قريوت، في مواقع البطاين والصرارة والمرحان وسهل وحرايق عين مره . ويأتي هذا الإعلان استكمالاً وتثبيتاً لقرارات حكومية إسرائيلية صدرت منذ عام 2023 تهدف إلى تسوية وضع وشرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية في تلك المنطقة، وتحديداً بؤرتي "غفعات هريئيل" و"غفعات هروئيه". كما يأتي في امتداد الأمر العسكري رقم 59 الصادر لعام 1967 المتعلق بـالأملاك الحكومية ، وهي الأداة القديمة المتجددة التي يوظفها الاحتلال دورياً لوضع اليد على الأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى أراضي دولة لتوسيع المستوطنات ، الأمر الذي يمثل حلقة جديدة من منظومة استيطانية استعمارية متكاملة؛ تبدأ بالاستيلاء الصامت، ثم تجديد القرارات لتوسيع المساحات، وصولاً إلى فرض الاستيلاء على منطقة جغرافية واسعة .
التعليقات (0)