f 𝕏 W
حين يصبح البحر شاهداً على شاعر لا يغيب:  قراءة في «صائد الأمواج» وذاكرة سليم النفار

وكالة قدس نت

رياضة منذ ساعة 1 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يصبح البحر شاهداً على شاعر لا يغيب: قراءة في «صائد الأمواج» وذاكرة سليم النفار

محمد علوش يكتب: حين يصبح البحر شاهداً على شاعر لا يغيب: قراءة في «صائد الأمواج» وذاكرة سليم النفار

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يتناول كتاب «صائد الأمواج» للكاتب ناصر عطا الله سيرة الشاعر الشهيد سليم النفار، مقدمًا نصًا هجينًا يمزج بين السيرة والشهادة والذاكرة والتوثيق. الكتاب ليس سيرة تقليدية أو دراسة نقدية، بل هو محاولة لاستعادة إنسان كامل من خلال استعراض حياته بكل تفاصيلها الإنسانية والوطنية. يبرز الكتاب قيمة سليم كإنسان قبل كونه شهيدًا، مع التركيز على علاقته العميقة بيافا والبحر كرمز للمنفى والعودة.
أبرز النقاط

ثمة كتب لا تقرأ من الخارج، ولا يمكن التعامل معها بوصفها نصوصاً أدبية مكتفية بذاتها، لأن وراء الكلمات حياة كاملة، ووجوهاً نعرفها، وأصواتاً سمعناها، وأياماً عشنا بعض تفاصيلها، وثمة كتب أخرى لا تكتفي بأن تستعيد الغائب، بل تحاول أن تنقذ شيئاً من حضوره من بين أنقاض الغياب، وكتاب «صائد الأمواج» للشاعر والكاتب ناصر عطا الله، عن الشهيد الشاعر سليم النفار، ينتمي بوضوح إلى هذا النوع النادر من الكتب؛ فهو ليس سيرة تقليدية، ولا مرثية بالمعنى المألوف، ولا دراسة نقدية بالمعنى الأكاديمي الصارم، ولا رواية مكتملة الأدوات، وإنما هو نصٌّ هجينٌ ومفتوح، تتداخل فيه السيرة بالشهادة، والذاكرة بالتوثيق، والشعر بالنثر، والخاص بالعام، والإنساني بالوطني، حتى يصبح الكتاب في جوهره محاولة لاستعادة إنسان كامل من تحت ركام الموت.

وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 2026 عن «مكتبة كل شيء» في حيفا، بتصميم شربل إلياس وتدقيق الدكتور عبد القادر فارس، وجاء إهداؤه إلى سليم النفار شاعراً وشهيداً، وإلى أهله وأحبته وإلى الأيام المشتركة، وهذه التفاصيل، في حد ذاتها، تقول شيئاً عن طبيعة الكتاب: إنه لم يكتب باعتباره ملفاً عن شاعر رحل، وإنما بوصفه فعلاً من أفعال الوفاء.

والحقيقة أن ناصر عطا الله لم يكن بحاجة إلى اختراع علاقة بالشهيد كي يكتب عنه؛ فالعلاقة كانت قائمة قبل الكتاب بسنوات طويلة، وممتدة في الذاكرة والتجربة والصداقة والعمل الثقافي والوطنية المشتركة، ولهذا تبدو الكتابة هنا صادرة عن معرفة داخلية بالشخصية، لا عن مراقبة من بعيد، فالكتاب نفسه يؤكد أن ناصر عرف سليم في تفاصيله العائلية والوطنية والمهنية والأدبية، وشاركه السفر والكتابة والأحاديث، وعرف انفعالاته وأحلامه ومواقفه، وهو ما منح السرد صدقية خاصة، وإن كان في الوقت ذاته يضع الكاتب أمام امتحان صعب: كيف يكتب المرء عن صديقه بعد أن يتحول الصديق إلى شهيد، وكيف يوازن بين الوفاء والحقيقة، وبين الحميمية والنقد، وبين الدمع ومسافة التأمل؟

ولعل قيمة «صائد الأمواج» الأساسية أنه لا يحاول أن يصنع من سليم تمثالاً، بل يعيده إلى إنسانيته، فنراه طفلاً، وابناً، وزوجاً، وأباً، وصديقاً، وشاعراً، ومناضلاً، وموظفاً ثقافياً، وفلسطينياً يحمل المنفى في ذاكرته، ويافا في قلبه، وغزة في لغته ومصيره، وهذه نقطة جوهرية في الكتاب؛ فالشهادة الحقيقية لا تبدأ من لحظة الموت، بل من الحياة التي سبقت الموت، لذلك كان من الطبيعي أن يعود ناصر إلى طفولة سليم، وإلى والده مصطفى، وإلى الهجرة من يافا، وإلى مخيم الشاطئ، وإلى سوريا واللاذقية، وإلى سنوات التكوين، ثم إلى العودة إلى غزة، قبل أن يبلغ السرد لحظته الأكثر قسوة: البحث عن سليم وعائلته في زمن الإبادة، وهكذا يصبح الموت نتيجة لمسار حياة طويل، وليس الحدث الوحيد الذي يمنح الشهيد قيمته.

من هنا أيضاً تأتي أهمية عنوان الكتاب، فـ «صائد الأمواج» ليس مجرد لقب شاعري، بل مفتاح دلالي لشخصية سليم، فالموجة في تجربة الفلسطيني ليست حركة بحرية عابرة؛ إنها استعارة للمنفى والعودة، للمد والجزر في التاريخ، للرحيل القسري، وللإصرار على استعادة الشاطئ الأول، فسليم ابن يافا من جهة الأب، ابن غزة من جهة الميلاد والحياة، ابن المخيم من جهة الذاكرة، وابن اللاذقية من جهة المنفى، ولذلك كان البحر في حياته أكثر من فضاء جغرافي، كان ذاكرة مفتوحة، وطريقاً إلى يافا، وحافة بين وطنين، ومرآة لروح لم تستسلم لفكرة المنفى النهائي.

ويكشف الكتاب بذكاء أن علاقة سليم بيافا لم تكن علاقة جغرافية فقط، بل علاقة وجدانية تكاد تكون علاقة حب، فقد عشق المدينة قبل أن تطأ قدماه ترابها، وحين دخلها كان البحر حاضراً بوصفه شاهداً على وعد العودة، وفي قصيدته «بحر يافا» يتخذ البحر موقع المخاطب والحافظ للوعد، بينما تصبح يافا حاضرة في الوجدان الفلسطيني حتى حين تغيب في الجغرافيا، وهذه واحدة من أجمل ثيمات الكتاب: كيف يستطيع المكان الغائب أن يصبح أكثر حضوراً من المكان الحاضر؟ وكيف يمكن لمدينة لم نعش طفولتنا فيها أن تتحول إلى جزء من طفولتنا المتخيلة؟

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة قدس نت

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)