طارت ريميديوس الجميلة إلى السماء، وانشغلت عنها نساء بيت "بوينديا" بطيّ الملاءات. ينقل الجزء الثاني من مسلسل "مئة عام من العزلة" (One Hundred Years of Solitude) هذا المشهد بتفاصيله المعروفة، بينما يستعيد الراوي لغة ماركيز، ليبدو المشهد نموذجا مثاليا لاقتباس الرواية وتحويلها إلى عمل فني بصري. لكنه يكشف، في الوقت نفسه، عن مأزق صعب، لأن ما كان في الرواية "حالة شعرية غامضة" أصبح على الشاشة صورة مكتملة، لا تترك للمتلقي إلا أن يصدق ما يراه.
تتكرر هذه المفارقة طوال الجزء الثاني، إذ ينجح المسلسل في بناء ماكوندو، وإحياء أجيال آل بوينديا، واستعادة أكثر وقائع الرواية شهرة، لكنه يقترب أحيانا من النص إلى درجة تجعله نسخة مصورة منه. وعندما يشرح الراوي ما تعرضه الصورة، أو تتحول الاستعارة إلى مؤثر بصري، يصبح الإخلاص للأحداث على حساب الإخلاص للتجربة التي صنعت فرادة الرواية.
ركز الجزء الأول على تأسيس ماكوندو ونمو بيت بوينديا، وكانت تحولات البلدة تُروى من خلال العائلة. لكنّ مركز السرد يتغير في الجزء الثاني، إذ يعود العقيد من حروبه منهكا، وينغلق داخل ورشته، يصنع السمكات الذهبية ثم يصهرها ليبدأ من جديد، بينما تنتقل الحكاية إلى أجيال تحمل الأسماء والرغبات نفسها. وفي المقابل، تتغير ماكوندو وتنمو وتسير نحو الخراب، ويظهر هذا التحول أولا مع وصول القطار الأصفر.
ينقل صناع العمل مشهد مجزرة شركة الموز بإخلاص من الرواية فيما يشبه الترجمة من اللغة المكتوبة إلى اللغة البصرية، حيث يحضر العمال مع عائلاتهم منتظرين جوابا عن مطالبهم من شركة الموز، لكنّ الجنود يغلقون المنافذ من حولهم، ويحاصرونهم، ثم يبدأ إطلاق النار، وتسقط الجموع التي أتت مطالبة بحقوق العمل.
وفي مشهد لاحق، يستيقظ خوسيه أركاديو الثاني داخل قطار محمل بالجثث. فالقطار الذي دخله ماكوندو محملا بوعود الحداثة، يخرج منه هذه المرة حاملا ضحاياها. ومن خلال تكرار صورة القطار وتغيير حمولته، يقدم المسلسل معنى بصريا قاسيا.
صارت الوسيلة التي ربطت البلدة بالعالم أداة لإخفاء ما فعله هذا العالم بها. ورغم ذلك، لا تنتهي المذبحة بتوقف إطلاق الرصاص؛ فالجزء الأكثر قسوة يأتي عندما يجد خوسيه أركاديو الثاني البلدة تتصرف كأن شيئا لم يقع، فيما تصر الرواية الرسمية على أن المذبحة لم تقع وأن أحدا لم يُقتل.
التعليقات (0)