تحت شمس الصيف الحارقة في إحدى المدن الترفيهية، يقف مئات الزوار في طابور طويل يتحرك ببطء، في انتظار دقائق قليلة من المتعة، بينما يعبر زائر آخر مسارا موازيا شبه خالٍ ويدخل مباشرة إلى اللعبة. الفارق بينهما ليس الحظ أو أسبقية الوصول، وإنما قرار اقتصادي بسيط، إذ دفع الأول ثمن اللعبة، بينما دفع الآخر ثمن اللعبة واختصار وقت الانتظار معا.
ويختصر هذا المشهد سوقا آخذة في الاتساع حول العالم، فلم يعد الانتظار مجرد نتيجة لزيادة الطلب على خدمة محدودة الطاقة الاستيعابية، وإنما أصبح موردا اقتصاديا يمكن إدارته وتسعيره، فيما باتت الشركات تبيع الوصول السريع والأولوية وتحسين تجربة الوقت الذي لا يمكن اختصاره.
ومن المطارات ومدن الألعاب إلى الخدمات الحكومية والمنصات الرقمية، نشأ اقتصاد متكامل حول قيمة الوقت، يقوم على حقيقة أن استعداد المستهلك للدفع لا يرتبط بالخدمة نفسها فقط، وإنما بالمدة التي يحتاجها للحصول عليها، وهو ما أتاح للشركات تحويل الدقائق التي كانت تعد وقتا ضائعا إلى منتجات وخدمات تحقق إيرادات إضافية.
لطالما تعامل الاقتصاديون مع الوقت باعتباره موردا اقتصاديا له قيمة قابلة للقياس، إذ تستخدم وزارة النقل الأمريكية، على سبيل المثال، قيمة الوقت الموفر في التنقل ضمن تحليلات التكلفة والعائد عند تقييم استثمارات البنية التحتية وسياسات النقل، باعتبار أن تقليل التأخير يحقق منافع اقتصادية يمكن قياسها.
كما بحث اقتصاديون من جامعات بالتيمور وتمبل وكاليفورنيا في القيمة الاقتصادية لوقت انتظار العملاء، مع التمييز بين التكلفة التي يتحملها المستهلك بسبب الانتظار وبين التكلفة التي تتحملها المنشأة لتقليصه.
فالعميل الذي ينتظر 30 دقيقة قد ينظر إلى هذه الفترة باعتبارها تكلفة، لأنه كان يستطيع استخدامها في العمل أو الراحة أو نشاط آخر، لكن المنشأة لا تتحمل بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها، إذ قد يكون الانتظار نتيجة قرار تشغيلي يوازن بين مستوى الخدمة وكفاءة استخدام الموظفين والمعدات.
التعليقات (0)