ليس من باب الطعن في الانتخابات أو التشكيك في مشروعيتها نطرح التساؤلات التي تراود الكثيرين، إنما من باب الحرص على أن تكون هذه الانتخابات بعد هذا الغياب الطويل، أكثر قدرة على استعادة الثقة بالعملية الديمقراطية ومؤسساتها، وهي أسئلة من حق المواطن أن يجد لها إجابات واضحة، كما أن من واجبنا أن نضعها أمام أصحاب القرار قبل الوصول إلى يوم الاقتراع؛ حتى تأتي انتخابات اضافة الى استنادها إلى أساس دستوري وقانوني واضح،ان تكون شاملة لجميع الفلسطينيين، وقادرة على إنتاج شرعية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول الوطني.
تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها منذ انتخابات عام 2006. فالمسألة لم تعد مجرد العودة إلى صناديق الاقتراع بعد نحو عشرين عامًا، وإنما أصبحت اختبارًا دستوريًا وسياسيًا لمدى قدرة الانتخابات على إعادة إنتاج مجلس تشريعي يمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس تمثيلًا حقيقيًا وشاملًا،من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة العودة إلى الانتخابات، حيث أن الانتخابات الدورية تمثل استحقاقًا دستوريًا طال تعطيله، ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تفعيل المجلس التشريعي ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لإعادة الحياة إلى المؤسسات الدستورية وإنهاء حالة الفراغ التي استمرت سنوات طويلة.
لكن هذه الضرورة تقودنا إلى سؤال حسّاس، ما هي حدود السلطة الاستثنائية التي استخدمت لتعديل قانون الانتخابات؟ فالمادة 43 من القانون الأساسي تمنح الرئيس صلاحية إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، على أن تعرض هذه القرارات على المجلس في أول جلسة يعقدها، أي أن الدستور أجاز الاستثناء، لكنه لم يحوله إلى قاعدة دائمة، فالضرورة هي التي تبرر استخدام هذه الصلاحية، وليس مجرد غياب المجلس التشريعي.
وهنا يبرز السؤال الملح: ما الذي تغير في الفترة بين الإعلان السابق والحالي؟ وما الذي استدعى تعديل قواعد الانتخاب ؟ لقد شهد قانون الانتخابات تعديلات متقاربة زمنيًا، شملت عدد أعضاء المجلس وشروط الترشح وتمثيل المرأة وسن الترشح ،الكوتات وغيرها من القواعد، ثم جرى التراجع عن بعض هذه التعديلات والإبقاء على بعضها الآخر، ليس بالضرورة أن التعديلات غير دستورية، لكن قانون الانتخابات يختلف عن سائر القوانين؛ لأنه يحدد قواعد الوصول إلى السلطة، ولذلك يحتاج إلى قدر عالٍ من الاستقرار والوضوح والتوافق.
ومن هنا فإن السؤال الدستوري لا يقتصر على صلاحية إصدار القرار بقانون، وإنما يمتد إلى ضرورة كل تعديل وتوقيته ومدى تناسبه مع حالة الضرورة، فإذا كانت الضرورة تبرر استخدام السلطة الاستثنائية بهدف الوصول إلى انتخابات تعيد المجلس التشريعي، فإن استمرار تغيير قواعد الانتخابات أو تعديلها في فترة قريبة من الاقتراع يحتاج إلى تفسير واضح ومقنع، حتى لا تتحول السلطة الاستثنائية من وسيلة للخروج من الفراغ الدستوري إلى بديل دائم عن السلطة التشريعية.
غالبية التعديلات فيها جوانب إيجابية، مثل خفض سن الترشح وتعزيز تمثيل المرأة وتوسيع فرص المشاركة السياسية،الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، لكن بعض الشروط المتعلقة بالالتزام بالشرعية الدوليةالتي لم تستطع حماية اكثر من عشرين الف طفل في غزة من القتل،والتي لم تستطع منع المستوطنين من العربدة والقتل في الضفة الغربية ولم تستطع حتى حماية مؤسسات الامم المتحدة ،هذه الشروط تفتح نقاشًا حول التوازن بين حماية الإطار الوطني للنظام السياسي وبين ضمان الحق في الترشح والمشاركة السياسية، فالانتخابات يفترض أن تكون مجالًا لاختبار مواقف القوى أمام الناخبين، لا أن تتحول القيود القانونية إلى وسيلة لاستبعاد فئات سياسية إلا بناءً على مبررات دستورية واضحة ومتناسبة.
💬 التعليقات (0)