الخميس 20 أغسطس 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس
حلّق فكري بعيدًا وأنا أجلس مطلًّا على المسجد العمري وكنيسة العائلة المقدسة في البيرة. ومن هذا العلوّ، كانت العين تمتدّ إلى جزء من أراضي جبل الطويل، حيث أُقيمت مستوطنة بسغوت غير بعيد، فيما تبدو القدس في الأفق البعيد، شامخةً وحاضرةً في الوجدان قبل أن تحضر في العين.وفي الجهة الأخرى من مدينة البيرة، وعلى جانبي الطريق الممتد من دوّار الهدى، مرورًا بحاجز بيت إيل، وصولًا إلى الطريق 60، تتوزع أراضٍ صودرت، وتتمدّد فوقها مستوطنة بيت إيل.هناك، اختلطت مشاعري الإيمانية بمشاعري الوطنية، وتداخلت العاطفة مع أسئلة العقل، حتى وجدتني أفكر وأتساءل: هل من العيب، أو الحرام، أو قلة الوطنية، أن يستثمر الفلسطينيون من حاملي الجنسيات المزدوجة نفوذ الدول التي يحملون جنسياتها، أو يستعينوا بهيئاتها الدبلوماسية، للمطالبة بحقوقهم المسلوبة واسترداد ممتلكاتهم وأراضيهم؟ولست أطرح هذا السؤال من موقع المتفرج؛ فأنا شخصيًا، وأولادي وأحفادي، نحمل الجنسية المزدوجة الفلسطينية والأمريكية. ولذلك فإن السؤال بالنسبة إليّ ليس مجرد فكرة عابرة أو جدل سياسي، بل هو سؤال يمسّني ويمسّ عائلتي وذاكرتنا وارتباطنا بهذه الأرض، كما يمسّ حقنا في استخدام كل الوسائل المشروعة للدفاع عن حقوقنا.ربما كانت هذه الأفكار وليدة ما شاهدته خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية من تغطية إعلامية كثيفة، وما رافقها من ردود فعل مؤيدة وأخرى رافضة، حول عودة المواطن الفلسطيني-الأمريكي من عائلة أبو ريدة إلى قريته «تل»، ولقائه الحميم بوالدته. لم تكن عودته زيارةً عابرة؛ فقد جاء لحماية منزله المحاصر من المستوطنين والجيش، فرفع العلم الأمريكي فوق سطح منزله، في مشهد أثار كثيرًا من النقاش والأسئلة. وقبل أسابيع، كان سكان قرية ترمسعيا قد فعلوا الأمر ذاته.وتكثر أعداد الفلسطينيين، وأبناؤهم وأحفادهم وورثتهم من المغتربين، من حاملي الجنسية الأمريكية وغيرها من الجنسيات الأجنبية، ولا سيما في محافظة رام الله والبيرة؛ فمنهم المقيم في الوطن، ومنهم المقيم في المهجر، وتربطهم بهذه الأرض صلات الدم والذاكرة والملكية والانتماء. وفي البيرة ورام الله وبيرزيت وسلواد وبيتين ودير دبوان والمزرعة الشرقية والطيبة ورمون، وفي عشرات القرى والبلدات والمواقع الأخرى، يعيش فلسطينيون يحملون إلى جانب فلسطينيتهم جنسيات دول أخرى.وهنا يبرز السؤال من جديد: ألا يستطيع هؤلاء، بفلسطينيتهم أولًا، وبجنسياتهم الأجنبية ثانيًا، أن يضغطوا على الدول التي يحملون جنسياتها من أجل حماية أرضهم وممتلكاتهم، بل والمطالبة باستعادة ما صودر منها؟وفي حالتي الشخصية، تزداد المسألة إلحاحًا؛ فقد صودرت مساحات من أراضي جديَّ، جاد الله وجودة، ووُضعت اليد عليها، وما زال بعضها عرضةً للخطر والتهديد. وأنا، وأولادي وأحفادي، نحمل الجنسية الفلسطينية والأمريكية معًا، ونحمل معها إرثًا فلسطينيًا لا تستطيع أي جنسية أخرى أن تنتقص منه أو تحلّ محلّه.فهل يكون من غير الوطني أن نستعين، عند الحاجة، بما تمنحه لنا جنسيتنا الأمريكية من قنوات قانونية ودبلوماسية، دفاعًا عن أرضنا وحقوقنا؟ وهل يصبح طلب الحماية من دولة نحن مواطنون فيها نوعًا من التخلي عن فلسطين، أم يمكن أن يكون، على العكس، وسيلةً إضافية للدفاع عن فلسطين وحقوق أهلها؟ثم أسأل نفسي: إذا لم نستطع، نحن الفلسطينيين أو نحن العرب، أن نستعيد حقوقنا أو نمنع الاعتداء على أرضنا وممتلكاتنا بكل الوسائل المتاحة والمشروعة، فهل يصبح الاستعانة بالآخرين عيبًا؟ وهل تصبح الاستعانة بالدولة التي يحملها الإنسان مواطنًا إلى جانب فلسطينيته خيانةً لوطنه؟ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهوم الوطنية ذاته. فالوطنية ليست بالضرورة أن نحمل أعباءنا وحدنا، ولا أن نرفض يدًا يمكن أن تساعدنا لمجرد أنها تأتي من خارج حدود الوطن. الوطنية، في جوهرها، هي أن نحمي الأرض، ونصون الحق، ونتمسك بالهوية، ونستخدم كل وسيلة مشروعة يمكن أن تعيد حقًا سُلب أو تمنع ظلمًا يُرتكب.ولعلّ الفلسطيني الذي يحمل جنسية أخرى لا يصبح أقل فلسطينية؛ بل قد يمتلك، إلى جانب انتمائه الوطني، أدوات إضافية يستطيع من خلالها الدفاع عن حقوقه وحقوق أهله. فالجنسية الأمريكية التي أحملها، ويحملها أولادي وأحفادي إلى جانب جنسيتنا الفلسطينية، لا تلغي فلسطينيتنا، ولا تنتقص من انتمائنا؛ إنها ببساطة أداة أخرى يمكن، في حدود القانون والمصلحة الوطنية، أن نستخدمها للدفاع عن حقوقنا.وأنا أنظر من علوي إلى البيرة، وبين المسجد والكنيسة، وبين الأرض المصادرة والقدس البعيدة، أدركت أن السؤال أكبر من علمٍ رُفع فوق بيت، وأعمق من جنسية يحملها إنسان.إنه سؤال الحق: هل يجوز لصاحب الحق أن يستخدم كل ما يملكه من أدوات مشروعة لاستعادة حقه؟وأظن أن الإجابة تستحق أن تُناقش بهدوء، بعيدًا عن التخوين والمزايدات؛ فالأرض لا تسأل صاحبها عن عدد جوازات سفره، والذاكرة لا تعترف بالحدود، والحق لا يفقد قيمته لأن صاحبه يحمل جنسيةً أخرى.إن بقيت لنا أرضٌ نطالب بها، وبيوتٌ نخشى عليها، وذاكرةٌ نريد أن نحفظها، فمن حقنا أن نبحث عن كل طريق مشروع يوصلنا إلى حماية ما تبقّى، واستعادة ما يمكن استعادته.فلسطينيتنا هي هويتنا، والجنسية الأخرى أداةٌ قد نستخدمها لحماية هذه الهوية والدفاع عن حقوقها، لا بديلًا عنها.
بين الإيمان والوطن وحقّ الاستعانة بالعالم
واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)