كاتب وصحفي وباحث مختص في علم الاجتماع
أكثر من مسودة سطرتها حول الجدوى من معرض فني شبابي حول "الحيز المدني والإصلاح في فلسطين" ثم قمت لاحقا بمحوها؛ السبب يتعلق بواقع الحال الذي نعيش حيث ينحسر "الحيز المكاني" أمام غول الاستيطان ومصادرة الأراضي وسياسة الضم والتهجير؛ لذلك خشيت أن يلتبس الأمر على البعض؛ فيظن، وبعض الظن إثم، أنني أهرب من "الواقع الحقيقي" إلى "واقع مصطنع" أو "مخلق"؛ فيسأل، وحق السؤال مشروع للجميع، ما بالك تكتب عن "حيز مدني" يراه هذا البعض "هامشيا"، وتترك "الأساسي" المتمثل بالـ "الحيز المكاني"؟
المعرض نظم في رام الله يوم الاثنين الموافق 17/8/2026 من قبل مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (شمس) وضم لوحات أبدعها فنانون وفنانات، من الشباب الفلسطيني والشابات الفلسطينيات، باستخدام تطبيقات التصميم الغرافيكي والذكاء الاصطناعي، أكدت جميعها على الفائدة الجمة لممارسة ثيمة النقد والنقد الذاتي، كما أكدت على أن هذا الحق، والذي ويمثل ظاهرة صحية ودلالة على حيوية المجتمع، يشمل ممارسة حرية التعبير والمساءلة والمحاسبة وضمان المكاشفة والوصول إلى المعلومات، كما يشمل أمورا أخرى من بينها ضرورة احترام خصوصيات الناس ومحاربة الفساد وهدر المال العام وضمان تكافؤ الفرص في التوظيف والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن جنسهم وانتماءاتهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، وكذلك ضمان مشاركة الجميع في اتخاذ القرار العام وإتاحة وصولهم إلى مواقع صنعه.
كانت لافتة بالنسبة لي هذه الانتباهة لموضوع "الحيز المدني" وما يترتب على ممارسة كل ما ذكر من أمور أشارت إليها اللوحات الفنية، وشخصيا أرى أن هذه الالتفاتة تمثل انتباهة ذكية من مركز شمس ومديره د. عمر رحال لا تخرج عن السياق، ولا تعبر عن ترف فكري كما قد يتبادر لذهن البعض؛ بذريعة مأساوية الواقع والقول إن الأجدى أن ننشغل فيه بدل أن ننشغل بمواضيع أخرى هامشية!
جوهر ما أريد قوله، صحيح أن هناك عوامل خارجية قوية لها دور كبير فيما آلت إليه الأمور فلسطينيا، ميدانيا وسياسيا واجتماعيا، لكن ذلك لا يعفينا من محاسبة أنفسنا أولا. أبسط شيء أن نُوَصِّفَ الحال، والأبسط، وقد يكون ذلك مفهوما، أن نشكو من سوئه والمعاناة الجمة التي تترتب عليه؛ لكن الأصعب هو مراجعة هامش المسؤولية التي تقع علينا بالوصول إلى هذا الحال، حتى لو كانت هذه المسؤولية محدودة أو هامشية كما قد يحتج أو يظن البعض!
وأنا أكتب هذه السطور لم أكن قد انتهيت من قراءة رواية أحمد رفيق عوض الصادرة عام 2006 والتي تحمل اسم (بلاد البحر)، وفي غير مكان من الرواية التي قد يبدو للبعض أنها "محض تاريخية" لكنها، في الحقيقة، تستعين بالتاريخ الغابر أو تسترجع فصوله والتجارب التي مر عليها لتحاكم الواقع الراهن، في هذه الرواية تأكيد على أن العوامل الحاسمة في انتكاسات الدول وهزائمها وسقوط حكمها، جاءت، وعلى الدوام، من داخلها، من آفة الفساد التي نخرت بنياها، السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وما إلى ذلك؛ فمن هذه الشقوق نفذ المستعمرون والطامعون والطغاة والبغاة والغلاة والفاسدون والمفسدون!
💬 التعليقات (0)