أعاد إقرار مجلس النواب اللبناني لقانون العفو العام وتخفيض العقوبات في الثاني عشر من أغسطس 2026، فتح ملفات السجون المكتظة على مصراعيها. ولم يتوقف النقاش عند أعداد المفرج عنهم، بل امتد ليشمل التساؤلات الجوهرية حول أسباب وصول آلاف الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز وبقائهم لسنوات دون محاكمات عادلة.
تزامن هذا التشريع مع خطوة تاريخية تمثلت في إلغاء عقوبة الإعدام رسمياً، وهي العقوبة التي جمد لبنان تنفيذها فعلياً منذ مطلع عام 2004. ورغم تجاور القانونين زمنياً، إلا أن الخبراء القانونيين يؤكدون على ضرورة الفصل بين فلسفة إلغاء الإعدام كخيار حقوقي، وبين العفو الذي يتدخل في أحكام قائمة.
يرى الوزير السابق والمحامي زياد بارود أن المعضلة الحقيقية تكمن في تحول العفو من إجراء استثنائي إلى قاعدة لمعالجة إخفاقات المنظومة القضائية. فبدلاً من أن يكون القضاء هو الفيصل في تحديد المسؤوليات، أصبحت السياسة تتدخل عبر قوانين العفو لترميم ما أفسده بطء المحاكمات وتراكم الملفات.
القانون الجديد لعام 2026 جاء مركباً في صياغته، حيث جمع بين منح العفو العام وتخفيض العقوبات بشكل استثنائي لبعض الفئات. وهذا التمييز القانوني يعني أن الإفراج لا يمحو الجريمة في جميع الحالات، بل يكتفي أحياناً بتقليص المدة الزمنية التي يقضيها المحكوم خلف القضبان.
وضعت السلطات اللبنانية استثناءات صارمة للقانون شملت الجرائم الكبرى التي تمس أمن المجتمع والدولة بشكل مباشر. حيث بقي المدانون بجرائم الإرهاب، والفساد، والاتجار بالبشر، والقتل العمد، والتعامل مع العدو الإسرائيلي، خارج دائرة الاستفادة من مفاعيل هذا العفو.
تستحضر الذاكرة السياسية اللبنانية قانون العفو الشهير لعام 1991 الذي تلا الحرب الأهلية، والذي كرس حينها مبدأ التسوية السياسية على حساب العدالة الجزائية الصرفة. ويخشى مراقبون أن يعيد القانون الحالي إنتاج ذات النهج الذي يميز بين الضحايا بناءً على التوازنات الطائفية والسياسية.
💬 التعليقات (0)