الأربعاء 19 أغسطس 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس
في مشهدٍ يختزل عبثية الواقع الذي يعيشه الفلسطيني، رأينا مشهدا يعتلي فيه مواطن فلسطيني- يحمل الجنسية الامريكية- سطح منزله في بلدة قُصْرَة الصامدة جنوب نابلس، رافعا العلم الأمريكي، بدا وكأنه يحمل درعا أخيرا في وجه عربدة المستوطنين. هذا الفعل، وإن بدا للوهلة الاولى استنجادا بـ" الامبراطورية الامريكية"، فهو في جوهره صرخة تعري زيف الحماية الامريكية خصوصا، والغربية عموما، فهذا الفلسطيني، الذي عاد من احضان "الحلم الامريكي" ليصطدم بكابوس الاستيطان، لم يرفع العلم إيمانا منه بقدسيته، بل لأنه أدرك وبكل مرارة ان قطعة القماش هذه قد تكون الرمز الوحيد الذي يعيد انتاجه كانسان معتبر، له كيانه وكينونته في نظر القاتل وحليفه. هذه المفارقة تسلط الضوء على خيط ناظم بين وهم الجنسية الفردية وعجز الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية، فكلاهما يقوم على ذات الرهان الفاشل بان الانخراط في قواعد النظام الغربي او التسلح بأوراقه سيضمن شيئا من الحماية. تاريخيا، لم يرفّ جفن للإدارات الامريكية المتعاقبة حين سُفكت دماء مواطنين أمريكيين، من اصول فلسطينية او حتى متضامنين، كـ "راشيل كوري" و "عائشة نور" و "شيرين ابو عاقلة" و "عمر اسعد" و " توفيق عبد الجبار" ، كلهم قتلوا برصاص الاحتلال او تحت جنازير آلياته؛ واكتفت حينها واشنطن ببيانات القلق والتبرير.في المقابل، يتحول المشهد جذريا حين يُقتل مستوطن يحمل الجنسية الامريكية في عمليات للمقاومة؛ هنا تنفجر السيادة الامريكية كقوة غاشمة، فتُفرض العقوبات على السلطة وتحاصر البنوك الفلسطينية، رغم يقينها التام بان السلطة تعمل جاهدة لسحب الذرائع، وتعلم ايضا ان البنوك الفلسطينية لا تألوا جهدا في هذا الطريق، سواء عبر اغلاق حسابات لمؤسسات وطنية او حتى افرادا، وذلك خشية العقوبات الامريكية والاسرائيلية. هذا التناقض الصارخ يكشف ان "الجنسية الغربية" التي يحملها الفلسطيني لا ترقى الا لتكون ورقة توت تستر عورة التمييز الاستعماري تجاه الفلسطيني، تماما كما تتكشف "الدبلوماسية الرسمية" عن مسار منفصل عن الواقع تماما، فالاولى تترك صاحبها مجرد "موضوع أمني" لا يرى فيه الغرب مواطنا يصلح للعالمية، والثانية تراهن على القيم الليبرالية والتعاون الامني المستميت لترضي واشنطن، لتكتشف في النهاية ان السلطة وشعبها يُعاقبان معا لان المشروع الاستعماري لا يريد للفلسطيني الا الاندثار، بغض النظر عن جنسيته او اعتدال دبلوماسيته. ان رفع العلم الامريكي في قُصْرَة امام مستوطنين يحملون ذات الجنسية الامريكية، ويمارسون الارهاب بحماية جيش الاحتلال، ليس ولاء، بل هو اعلان عن "لائحة اتهام" تضع الادارة الامريكية أمام مأزق أخلاقي معلن: اما ان تحمي مواطنها او تعلن ان جوازه سفرها ازرق فقط حين يحمله المستوطن، ورمادي او بلا لون حين يحمله الفلسطيني. لقد وصلنا الى نقطة اللاعودة تماما، فالصدام مع المستوطنين بات وجوديا ومطلقا، وأثبت مرة بعد أخرى ان كل اوراق الاعتماد الدبلوماسية والجوازات الغربية هي ادوات عقيمة امام آلة استعمارية لا تقيم وزنا لاي قانون، وان الفلسطيني فوق كل ارض وتحت اي سماء يدرك اليوم انه وحده في ميدان المواجهة، وان حماية الوجود لا تمنحها العواصم الغربية، بل تُنتزع بإرادة صلبة على الأرض.
بين الجنسية والدبلوماسية: وهم الحماية الغربية
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)