الأربعاء 19 أغسطس 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس
كفلسطيني، يصعب عليّ أن أتعامل مع التصريحات الأمريكية الأخيرة باعتبارها كافية أو مطمئنة. نعم، عندما يطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل بوقف هجماتها على غزة، فهذا تطور سياسي مهم، وعندما ترحب حماس بهذا الموقف وتطالب واشنطن بمزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية، فهذا يعني أن هناك فرصة سياسية يمكن البناء عليها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ماذا بعد التصريحات؟المصداقية لا تُقاس بالكلمات، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى أفعال. الولايات المتحدة تملك من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي ما يجعلها قادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل. ولذلك فإن استمرار القصف وسقوط الضحايا، بالتوازي مع الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، يجعل الحديث عن السلام أقل إقناعًا ما لم ترافقه إجراءات حقيقية لوقف هذه الانتهاكات.ولا يمكن الحديث عن المشهد الفلسطيني من دون التوقف عند ما يصفه الفلسطينيون بأنه إرهاب تمارسه مجموعات من المستوطنين، إلى جانب سياسات وإجراءات حكومية إسرائيلية من اقتحامات واعتداءات وتهجير وهدم ومصادرة أراضٍ وتوسّع استيطاني. هذه الممارسات لا تؤثر فقط على الضفة الغربية، وإنما تضرب في جوهر أي محاولة لبناء الثقة وتهيئة الطريق أمام حل سياسي.ومن وجهة نظري، فإن المشكلة اليوم ليست في أن حماس تقول إنها مستعدة لمناقشة نزع السلاح، ولا في أن إسرائيل تطالب بذلك، وإنما في ترتيب الأولويات والضمانات. كيف يمكن أن يُطلب من الفلسطيني أن يتخلى عن سلاحه بينما يرى أمامه استمرار الاعتداءات والقصف والاستيطان والتهجير؟ إذا كان نزع السلاح جزءًا من صفقة تنهي الحرب وتحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام إدارة فلسطينية وإعادة إعمار غزة، فقد يصبح قرارًا سياسيًا واقعيًا يمكن لحماس أن تقبله. أما أن يكون نزع السلاح مقدمة لاستمرار الضغط العسكري والسياسي على الفلسطينيين، فهذا أمر مختلف تمامًا.غزة اليوم لا تحتمل مزيدًا من الحروب. ما يعيشه أهلها من دمار ونزوح وفقدان للأرواح وانهيار في الخدمات الإنسانية يجعل الأولوية بالنسبة للفلسطيني العادي واضحة جدًا: أوقفوا الحرب، أنقذوا الناس، وأعيدوا بناء ما دمرته الحرب. وفي الوقت نفسه، يحتاج الفلسطيني في الضفة الغربية إلى حماية حقيقية من اعتداءات المستوطنين وإلى وقف سياسات التهجير والاستيطان التي تجعل الحديث عن السلام أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.ولهذا أرى أن أمام ترامب اختبارًا حقيقيًا. إذا كان يريد فعلًا تنفيذ خطته للسلام، فعليه ألا يكتفي بالضغط على حماس في موضوع السلاح، بل أن يستخدم نفوذه أيضًا لضمان وقف الهجمات الإسرائيلية، وحماية الفلسطينيين في غزة والضفة، والحد من اعتداءات المستوطنين، وتنفيذ الانسحاب والالتزام بالاتفاقات. السلام لا يمكن أن يكون طريقًا باتجاه واحد.كما أن ما يجري في لبنان يزيد السؤال إلحاحًا: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتحدث عن الاستقرار والسلام في المنطقة، بينما تستمر العمليات العسكرية وسقوط المدنيين؟ إن الموقف الأمريكي يفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته عندما تبدو واشنطن قوية في تصريحاتها، لكنها لا تستخدم نفوذها بصورة كافية لوقف ما يراه الفلسطينيون واللبنانيون اعتداءات يومية على المدنيين.وفي النهاية، لا أرى أن المطلوب من الولايات المتحدة أن تختار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أن تكون جادة في فرض مسار يؤدي إلى وقف الحرب وحماية المدنيين ومحاسبة من يرتكب الانتهاكات، أيًا كان طرفه. وإذا كان ترامب يريد أن يسجل إنجازًا حقيقيًا، فالفرصة أمامه واضحة: إجبار الجميع على تنفيذ وقف إطلاق النار، ضمان الانسحاب، حماية الفلسطينيين من إرهاب المستوطنين، وقف التوسع الاستيطاني والتهجير، فتح باب إعادة الإعمار، ثم الانتقال إلى حل سياسي يعالج أصل الصراع بدل إدارة أزماته مرة أخرى.أما بالنسبة للفلسطينيين، فأعتقد أن المعيار أصبح بسيطًا جدًا: نريد أن نرى أفعالًا، لا تصريحات. فإذا استطاع ترامب أن يوقف الحرب فعلًا، ويحمي الفلسطينيين في غزة والضفة، ويضمن مسارًا سياسيًا حقيقيًا، فستصبح أي تنازلات فلسطينية، بما فيها نزع السلاح، جزءًا من تسوية سياسية حقيقية لإنقاذ غزة، لا مجرد تنازل مجاني تحت النار.وفي هذه اللحظة تحديدًا، السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: هل ستوافق حماس على نزع السلاح؟ بل أيضًا: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضمن للفلسطينيين أن ثمن هذا القرار سيكون السلام وإنقاذ غزة، وإنهاء دوامة العنف والاستيطان والتهجير، وليس استمرار معاناة الفلسطينيين بشكل آخر؟
أين المصداقية الأمريكية أمام ما يجري في غزة ولبنان؟
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)