لا يمتري قارئ حصيف لكتب ومقالات وروايات الدكتور الإعلامي أحمد فال ولد الدين، الذي يعرّف نفسه بـ"الروائي المهتم بتاريخ الأفكار"، أنه استوعب تراث شيخه أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري (ت 255هـ) استيعابا واعيا قلّ نظيره في زماننا من لدن عموم المهتمين بالدراسات التراثية، أو المختصين بتراث علم واحد من الأعلام السالفين.
وهو استيعاب له محاذيره الدراسية التبادلية؛ فلطالما جرَّ التراث دارسيه المعاصرين إلى عالمه القديم، فيجعل الدارس معلقا بين القرون الخالية، جسمه بين الأحياء، وروحه وفكره يدوران في أزقة البصرة وبغداد أو في مكتبات مرو الشاهجان، وما أكثر ضحايا "الورق الأصفر".
كما قد يتعسف الدارس المعاصر فيأتي بالعلم التراثي المدروس إلى عصره الحاضر مرغما، فيجعل له في كل حادثة رأيا، وفي كل مشكلة فتوى. وتلك آفتان قلَّ من اقتحم عرين التراث وسلِم منهما، وابن الدين هو "أحد الناجين" بما وهبه الله من رهافة الحس، وإتقان الدرس، وسعة الاطلاع.
علاقة ابن الدين بالتراث والجاحظ لم تتشكل فجأة في مرايا أبي عثمان، ولم يكن وصوله إلى بر الأمان في الدرس التراثي سالكا في رأيي. فقد كاد "الحدقي" يُقيمه في عصره البصري (في إشارة لروايته السابقة)، وقد استعان بجذب "محمد القروي" وأحوال "مطوعة بريدة" خوف الغرق في نهر البصرة وبحر شيخها الأخَّاذ.
وهو ما حاول تداركه في روايته "دانشمد" التي جعل عالمها المادي التأثيثي أشبه بالعالم المعاصر من حيث الرقي وتقدم وسائل الحياة وتلك قضية نقاشية بيننا لم يُحسم فيها شيء بعد غير أن "المرايا" بمادتها التراثية الثرّة، ومنهجها الأكاديمي المعاصر المُحكم، ضبطت "البوصلة البحثية" لابن الدين في اعتقادي. وهو أمر طبيعي، فلكل من الحقلين الروائي والأكاديمي فضاؤه تصوّرا وإبداعا وتسامحا وتشددا.
يعود هذا الضبط الموفق إلى انطلاق أحمد فال في دراسة التراث الجاحظي من المبادئ التأويلية "التداولية" المنتجة للتراث، مع الاستعانة المتبصرة بمناهج حديثة ومصطلحات مفتاحية معاصرة في دراسات التاريخ والنقد الثقافيين. وبهذا الضبط البحثي، سلمت دراسته من برودة الجمود وبداهة العرض غير المتبصر.
💬 التعليقات (0)