أمد/ لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في سجل صراعات الشرق الأوسط بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لبنية النظام الإقليمي ولطبيعة التحالفات التي حكمت أمن الخليج لعقود طويلة إذ كشفت الوقائع الميدانية أن المعادلات التقليدية التي قامت على فكرة الحماية الخارجية الصلبة لم تعد كافية لضمان الاستقرار في بيئة تتغير فيها أدوات الحرب بوتيرة أسرع من قدرة التحالفات على التكيف جيث وجدت دول الخليج نفسها في قلب معادلة معقدة فهي من جهة نجحت في تجنب الانخراط المباشر في الحرب لكنها من جهة أخرى لم تنجُ من ارتداداتها الأمنية والاقتصادية حيث امتدت الضربات الإيرانية لتطال منشآت حيوية وتفرض واقعا جديدا يقوم على أن الجغرافيا وحدها كفيلة بإدخال هذه الدول في دائرة الاستهداف حتى وإن لم تكن طرفا في القتال
أحد أبرز التحولات التي فرضتها الحرب يتمثل في إعادة النظر في وظيفة القواعد العسكرية الأجنبية فبعد أن كانت تمثل مظلة ردع وضمانة أمنية بات يُنظر إليها أيضا باعتبارها نقاط جذب للخطر قد تستدرج الضربات إلى أراضي الدول المضيفة وهو تحول في الوعي الاستراتيجي يعكس إدراكا متزايدا بأن الحماية الخارجية قد تتحول في لحظة التصعيد إلى عامل تهديد بحد ذاته
هذا الإدراك لم يدفع دول الخليج إلى القطيعة مع الولايات المتحدة لكنه فتح الباب أمام سياسة أكثر براغماتية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية والأمنية بما يقلل من الاعتماد الأحادي ويمنح هامشا أوسع للمناورة السياسية والعسكرية غير أن هذا التوجه يظل محفوفا بتعقيدات كبيرة في ظل حساسية التوازنات الدولية واحتمالات التعرض لضغوط أو عقوبات إذا ما اتجهت هذه الدول نحو شركاء منافسين لواشنطن
في هذا السياق برزت ملامح تحالفات جديدة ذات طابع إقليمي أو شبه إقليمي حيث اتجهت بعض الدول إلى تعزيز التعاون مع قوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا كما ظهرت أنماط غير تقليدية من الشراكات شملت التعاون التقني والعسكري مع أطراف خارج المنظومة الغربية التقليدية بما في ذلك الاستفادة من الخبرات المتراكمة في حروب الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع منخفضة الكلفة غير أن هذه التحالفات الجديدة كشفت بدورها حدود الفعالية إذ أظهرت التجربة أن الاتفاقيات الدفاعية لا تترجم بالضرورة إلى حماية فورية على الأرض وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الالتزامات الدفاعية وآليات تفعيلها في أوقات الأزمات حيث لم يعد يكفي توقيع الاتفاقيات بقدر ما أصبح مطلوبا تحديد آليات تدخل واضحة وقابلة للتنفيذ
في موازاة ذلك برز تحول عميق في العقيدة الدفاعية الخليجية فالحرب أظهرت بوضوح أن التفوق العسكري لم يعد يقاس فقط بحجم الترسانة التقليدية بل بمدى القدرة على مواجهة التهديدات غير المتكافئة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة التي أثبتت قدرتها على استنزاف أنظمة دفاع باهظة الثمن وهو ما دفع نحو إعادة التفكير في بنية الإنفاق العسكري وأولويات التسلح وهذا التحول انعكس في توجه متزايد نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية وتطوير صناعات عسكرية محلية قادرة على تلبية احتياجات الأمن الوطني دون الاعتماد الكامل على الخارج وهو مسار يتقاطع مع مشاريع أوسع لتنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على النفط بما يعزز مناعة هذه الدول في مواجهة الصدمات الجيوسياسية
على صعيد العلاقات مع إيران لم تؤد الحرب إلى قطيعة شاملة بقدر ما فرضت نمطا جديدا يمكن وصفه بالتعايش الحذر أو السلام البارد حيث تدرك دول الخليج أن خيار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة باهظة في حين أن تجاهل مصادر التهديد ليس خيارا واقعيا لذلك يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد سعيا لإعادة ضبط العلاقات وفق قواعد اشتباك غير معلنة تقوم على تحديد خطوط حمراء وتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر
💬 التعليقات (0)