أمد/ عاد ملف غزة، إلى الواجهة مرة أخرى، بعد تداول أنباء عن جولات جديدة من المفاوضات، بشأن إيجاد حل جذري لملف غزة، خاصة في ظل حالة التجاهل الدولي للقضية، والانشغال التام بالحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهنا تتصاعد التساؤلات حول طبيعة العوامل التي تعيق الوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وحول أدوار مختلف الأطراف في هذا الجمود الممتد.
الاعتبارات الميدانية والسياسية والإقليمية، تجعل المشهد أكثر تعقيدًا، وهنا يبرز سلوك حركة حماس، الطرف الرئيسي في الصراع، كأحد العناصر التي تثير نقاشًا واسعًا لدى الوسطاء والمراقبين، دون أن يكون ذلك العامل الوحيد أو الحاسم في تفسير المشهد المعقد.
ولا يمكن اختزال تعثر المفاوضات في طرف بعينه، إذ إن طبيعة الصراع وتباين الأجندات الإقليمية والدولية يفرضان معادلة تفاوضية شديدة التعقيد، ورغم ذلك، فإن أداء حماس التفاوضي يطرح تساؤلات مشروعة تتعلق بوتيرة الاستجابة، ووضوح المواقف، ومدى الالتزام بالتفاهمات المعلنة، ولا تعني هذه التساؤلات بالضرورة الجزم بنوايا محددة، لكنها تعكس حالة من التردد لدى الوسطاء بشأن جدية التقدم، خاصة في ظل تكرار جولات تفاوضية لا تثمر عن نتائج ملموسة.
حماس بوصفها الفاعل الرئيسي على الأرض، تتحمل جزءًا من مسؤولية إدارة العملية التفاوضية، لأن التفاوض لا يقتصر على طرح الشروط، بل يشمل القدرة على بناء الثقة، وتقديم إشارات واضحة للطرف الآخر، بوجود جدية للتوصل إلى اتفاق لإنقاذ مستقبل غزة، ولكن عندما تغيب هذه العناصر أو تكون هناك مماطلة وعدم وضوح في الرؤية، فإن ذلك ينعكس سلبًا على فرص تحقيق تقدم ملموس، وقد يعيد الأزمة لنقطة الصفر.
علاقة "حماس" مع الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها إيران، تجعلنا نتوقف عن أبعاد هذه العلاقة، مهما كانت مبرراتها، وتثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار السياسي للحركة، وحول تأثير التحالفات الخارجية على أولوياتها التفاوضية، ورغم أن مثل هذه العلاقات تُفهم في سياق توازنات القوة، إلا أن انعكاساتها على مسار التفاوض تظل محل نقاش، خاصة إذا ما بدا أنها تؤثر على مرونة المواقف أو توقيت اتخاذ القرارات. ولا يمكن إغفال أن إطالة أمد المفاوضات، أو غموض محاورها ينعكس مباشرة على ثقة الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة، لأن الثقة، تعد عنصرًا أساسيًا في أي عملية تفاوضية، ولكنها تتآكل تدريجيًا عندما تتكرر جولات الحوار دون نتائج، أو عندما تتباين التصريحات مع الممارسات، وهذا يضعف من قدرة الوسطاء على الدفع نحو حلول وسط، ويجعل أي اتفاق محتمل في مهب الريح. إدارة التفاوض هنا تصبح مسألة حاسمة، لا تقل أهمية عن الموقف السياسي ذاته، لأن استخدام المفاوضات كأداة ضغط قد يكون مشروعًا في بعض السياقات، لكنه يتطلب حسابات دقيقة لتجنب تحوله إلى عامل إضافي لتعقيد الأزمة، لأن الإفراط في توظيف هذا الأسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة إذا ما تم تفسيره على أنه غياب للرغبة الحقيقية في الوصول إلى تسوية. وبين غموض المفاوضات، وصعوبة إيجاد حل جذري، يبقى البعد الإنساني للسكان في غزة، هم الطرف الأكثر تضررًا من أي تعثر في المفاوضات، وهم من يدفعون الثمن يوميًا لاستمرار الأزمة، حيث يفرض هذا الواقع على جميع الأطراف، بما فيها حماس، إعادة تقييم حساباتها، ووضع الاعتبارات الإنسانية في صدارة الأولويات، بعيدًا عن أي رهانات سياسية أو إقليمية قد تطيل أمد المعاناة. لذلك، باتت الحاجة ملحة لإجراء تقييم موضوعي للأداء التفاوضي، يوازن بين الاعتبارات الميدانية والنتائج الفعلية، ولم السؤال من يتحمل مسؤولية التعثر، بل ما إذا كانت المعطيات الحالية، لدى جميع الأطراف، تقود فعلًا نحو تسوية مستدامة، أم أنها تبقي الصراع في دائرة مفتوحة تُفاقم الأزمة الإنسانية، وتهدد أي مسار تسوية.
رئيس وزراء كندا كارني يرفض شروط أمريكا التجارية: لا يمكنها الفرض
💬 التعليقات (0)