حين أُعلنت قمة العشرين في الهند عام 2023 عن ممرّ جديد في مواجهة الحزام الصيني بدا الأمر في ظاهره مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا يهدف إلى اختصار المسافة بين آسيا وأوروبا، لكنه، في جوهره، كان أكثر من ذلك بكثير، فقد عادت إلى الواجهة فكرة «طريق التوابل» القديم، ولكن بثوب القرن الحادي والعشرين: موانئ وسكك حديدية، وطاقة وكابلات بيانات، واستثمارات وأسواق، ودول تتنافس على أن تكون في قلب الطريق لا على هامشه، وفي عالم أصبحت فيه الجغرافيا الاقتصادية جزءًا من الجغرافيا السياسية، لا يمكن النظر إلى هذا الطريق باعتباره خطًا للنقل فقط؛ فهو خط يعيد توزيع المصالح والنفوذ.
في صيغته التي أُعلنت عام 2023، يقوم الممر على ربط الهند بالإمارات، ثم السعودية، ثم الأردن، ثم ميناء حيفا في إسرائيل، ومنه إلى أوروبا عبراليونان، وبذلك تبدو السعودية إحدى أهم حلقاته؛ فهي ليست دولة عبور عابرة، بل شريك أساسي في المشروع، وموقعها يجعلها نقطة ارتكاز بين الخليج والجزء البري المتجه شمالًا، ومن هنا تبدأ القصة السياسية: فإذا كانت البضائع ستصل من السعودية إلى الأردن، ثم تنتقل عبر الأراضي الأردنية إلى إسرائيل وميناء حيفا، فإن الطريق التجاري يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية ولوجستية تسمح له بالعمل.
وهنا تظهر المفارقة السعودية. فالرياض، من جهة، شريك في مشروع يمكن أن يجعلها حلقة أساسية في طريق يصل في نهايته إلى حيفا وأوروبا، ومن جهة أخرى، ما زالت ترفض أن يكون التطبيع مع إسرائيل منفصلًا عن القضية الفلسطينية، وتربط إقامة العلاقات الدبلوماسية بقيام دولة فلسطينية مستقلة ومسار سياسي واضح، وهكذا لا تعود المسألة مجرد سؤال عن سكة حديد وميناء؛ بل يصبح الطريق نفسه جزءًا من التفاوض السياسي.
لكن الجغرافيا لا تحب الفراغ. فإذا كان أحد الطرق يقود إلى حيفا، فإن طريقًا آخر يمكن أن يقود إلى مكان مختلف، وهنا تبدأ ملامح مسار بديل في الظهور: السعودية، ثم الأردن، ثم سوريا، ثم تركيا، ومنها إلى أوروبا، وهذا المسار ليس اختراعًا على الخريطة؛ فقد بدأت بالفعل خلال عام 2026 تحركات سعودية وتركية وأردنية وسورية لبحث الربط البري والسككي واللوجستي، بما يمكن أن يفتح ممرًا يصل الخليج بتركيا عبر بلاد الشام.
والفرق بين الطريقين ليس في عدد الكيلومترات وحده، الأول يصل إلى أوروبا عبر المتوسط من خلال حيفا، وبالتالي يمر في عقدة سياسية اسمها إسرائيل، أما الثاني فيتجه شمالًا عبر سوريا إلى تركيا، حيث تتحول تركيا بحكم موقعها الجغرافي إلى جسر بين آسيا وأوروبا. فتركيا ليست دولة آسيوية فقط؛ جزء من أراضيها يقع في أوروبا، ولذلك فإن الوصول إليها عبر البر يعني الاقتراب من السوق الأوروبية من دون الحاجة إلى المرور بالموانئ الإسرائيلية.
وهنا تصبح الشراكة السعودية–التركية أكثر أهمية. فعندما تتزامن العلاقات السياسية والاستراتيجية المتنامية بين الرياض وأنقرة مع البحث في السكك الحديدية والنقل والخدمات اللوجستية، فإننا لا نتحدث عن تعاون اقتصادي منفصل عن الجغرافيا، بل عن إمكانية بناء طريق له وظيفة استراتيجية: أن يفتح للسعودية بابًا آخر إلى أوروبا.
💬 التعليقات (0)