الكاتب: أ. هيثم خليل ربايعة
في المشهد الاقتصادي الفلسطيني المعقد، لم يعد التحول الرقمي في القطاع المصرفي خياراً تنافسياً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي. تقود سلطة النقد الفلسطينية والمصارف العاملة جهوداً حثيثة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن وماله، متجاوزة حواجز الاحتلال الجغرافية، وشح السيولة النقدية، لبناء منظومة مالية رقمية أكثر شمولاً ومرونة.
أرست سلطة النقد عبر سنوات بنية تحتية رقمية متينة، أبرزها شبكة الصرافات الموحدة وشبكة المدفوعات الوطنية الفورية "بيرق"، التي أتاحت التحويلات اللحظية بين البنوك على مدار الساعة. وجاءت نقلة المحافظ الإلكترونية النوعية، حيث تم ترخيص شركات متخصصة لتقديم خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، مما سمح لمئات الآلاف من الفلسطينيين، خاصة الفئات غير المتعاملة تقليدياً مع البنوك، بفتح محافظ رقمية وإجراء معاملاتهم بضغطة زر. هذا التطور لم يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد بهدوء إلى القرى والمخيمات، محققاً هدفاً جوهرياً من أهداف الشمول المالي.
الاستثمار البشري.. العمود الفقري للتحول
من واقع خبرتي الممتدة لأكثر من 14 عاماً في إدارة أقسام مصرفية حيوية، لمست عن قرب أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فالتحول الحقيقي يحدث في العقول والمهارات قبل الأجهزة والبرمجيات. هنا يأتي دور الاستثمار البشري، وهو المجال الذي كرست له دراستي العليا في تنمية القوى البشرية. واجهت المصارف الفلسطينية تحدياً مزدوجاً: خارجياً يتمثل في توعية الجمهور المعتاد على النقد الورقي ليكتسب الثقة في النقود الرقمية، وداخلياً في إعادة تأهيل آلاف الموظفين ليتحولوا إلى مستشارين رقميين قادرين على فهم احتياجات العميل المتغيرة.
التجربة الناجحة تكمن في البنوك التي تبنت نهجاً تشاركياً في إدارة التغيير، وأشركت الموظفين منذ البداية، واستثمرت في برامج تدريب نوعية لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد لتشمل مهارات التواصل وحل المشكلات وفهم الأمن السيبراني كثقافة مؤسسية شاملة.
💬 التعليقات (0)