ثلاث سنوات من حرب الإبادة لم تترك وراءها مدينة مهدمة فقط، بل تركت إنساناً منهكاً، فقدَ بيته ومصدر رزقه وأمانه، وأصبح يومه معلقاً بين خيمة وماء وخبز ودواء. ووفق أحدث تقييم متاح لـUNOSAT استند إلى صور التُقطت حديثاً، تضرر نحو 81% من مباني غزة ، مع تسجيل 198,273 مبنى متضررًا، بينها 123,464 مبنى مدمراً، وتقدير تضرر أكثر من 320 ألف وحدة سكنية.
لذلك، عندما يُطرح سؤال الانتخابات التشريعية بعد هذه الكارثة، فإن السؤال الحقيقي في رأيي ليس: كيف سننتخب؟ بل: هل تهيأت الشروط الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي تجعل من الانتخابات فعلاً ديمقراطياً حقيقياً؟
كيف سيقف الغزي أمام صندوق الاقتراع، وهو الذي يقف منذ سنوات أمام صهريج الماء؟ كيف سيقرأ البرامج الانتخابية وهو يبحث عن سقف يحمي أطفاله؟ كيف سيناقش مستقبل التشريع والرقابة والمساءلة، بينما مستقبله الشخصي نفسه معلّق بخيط رفيع بين الخيمة والمساعدات؟
الانتخابات ليست ورقة تُوضع في صندوق فقط، إنها حق مدني وسياسي يحتاج إلى بيئة تحمي حرية الاختيار، وكرامة الناخب، وقدرته على التفكير في المستقبل بعيداً عن ضغط الجوع والخوف والنزوح. أما أن نطلب من إنسان مسحوق أن يمارس حقه السياسي بينما تُركت حقوقه الأساسية معلقة، فهذا يشبه مطالبة الغريق باختيار شكل القارب قبل أن نمد له حبل النجاة.
المشكلة الأعمق أن كثيراً من الغزيين قد لا يرون في المجلس التشريعي القادم أداة قادرة على تغيير واقعهم. فالذي فقد بيته يريد بيتاً، والذي فقد عمله يريد فرصة عمل، والذي يعيش في خيمة يريد حياة مستقرة، والذي يبحث يومياً عن الماء والخبز لا يرى في وجود مجلس تشريعي منتخب جواباً عن أسئلته الوجودية.
وهنا تكمن خطورة تحويل الانتخابات إلى إجراء شكلي أو استحقاق تفرضه أجندات خارجية. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الصناديق، وإنما بمدى قدرة المواطن على الاختيار الحر، ومعرفته بمن ينتخب، وثقته بأن صوته يمكن أن يحدث فرقاً.
💬 التعليقات (0)