تعيش الساحة السياسية والإعلامية في فرنسا منذ شهور حالة من الجدل المتصاعد حول ملف الممتلكات التي جرى الاستيلاء عليها إبان الحقبة الاستعمارية. وبينما يفضل الساسة الفرنسيون استخدام مصطلحات ملطفة مثل 'المقتنيات المُحصلة بطريقة غير لائقة'، يرى مراقبون أن التوصيف الأدق هو 'الممتلكات المسروقة'. وقد أخذ هذا النقاش منحى تشريعياً جاداً منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون للسلطة، في محاولة منه للنأي بعهده عن الإرث الاستعماري الثقيل الذي تركته باريس في القارة السمراء.
لقد توجت هذه الجهود مؤخراً بمصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على مشروع قانون يضع إطاراً قانونياً لإعادة هذه الممتلكات إلى أصحابها الأصليين. وتأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي ودولي حساس، حيث تسعى فرنسا لترميم علاقاتها المتدهورة مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا، خاصة بعد تراجع نفوذها في عدة دول خلال السنوات الخمس الأخيرة. كما أن الخطوة البلجيكية بإعادة قطع منهوبة للكونغو شكلت ضغطاً إضافياً على صانع القرار في باريس للتحرك في هذا الملف.
ورغم المظهر الإيجابي لهذه التحركات، إلا أن 'الشيطان يكمن في التفاصيل' القانونية التي تضمنها المشروع الجديد، والتي يصفها البعض بالألغام المتعمدة. فمشروع القانون يستثني ما يسمى 'غنائم الحرب' والمقتنيات التي أُدرجت ضمن الملكية العامة للدولة الفرنسية، مما يعني حرمان الدول المتضررة من استعادة قطع تاريخية هامة. هذا التوجه يثير تساؤلات حول جدية فرنسا في تصفية استعمارها الثقافي، خاصة وأن معظم هذه القطع أُخذت تحت ضغط السلاح أو الإكراه الإداري.
ومن أبرز نقاط الخلاف التي يطرحها المحللون هي قضية 'الهدايا' التي قدمها قادة محليون للحكام الفرنسيين، مثل برنوس الأمير عبد القادر الجزائري. فبينما تدعي الرواية الفرنسية أن هذه القطع كانت هبات طوعية، يؤكد المؤرخون أن سياق الاستعمار ينفي صفة 'الرضا' عن أي تنازل، إذ لا يمكن للمضطهد أن يهدي جلاده شيئاً بملء إرادته. إن الإصرار على التفريق بين 'النهب' و'الاقتناء' يهدف في جوهره إلى تقليص حجم الممتلكات التي يمكن المطالبة بها قانونياً.
ختاماً، فإن حجم المنهوبات الفرنسية من دول مثل الجزائر، وبنين، ومدغشقر، وكوت ديفوار، يتجاوز بكثير مجرد قطع عسكرية أو تذكارات حربية. إنها ثروات ثقافية وروحية تشكل هوية شعوب بأكملها، ولا تزال تقبع في المتاحف الفرنسية أو الخزنات السرية. إن نجاح هذه الصحوة العالمية لاستعادة الحقوق المسلوبة يعتمد بشكل أساسي على قدرة الدول الإفريقية على توحيد جهودها الدبلوماسية والقانونية لمواجهة المناورات التشريعية التي تحاول الالتفاف على الحقائق التاريخية.
💬 التعليقات (0)