لم تعد روسيا وأوكرانيا تخوضان حربا هدفها الوحيد تغيير خطوط التماس، بل يتسع الصراع تدريجيا إلى العمق الاقتصادي والعسكري والنفسي لكل طرف، في محاولة لإضعاف قدرة الآخر على مواصلة القتال. ومع تصاعد ضربات المسيّرات والصواريخ، تبدو الحرب أقرب إلى اختبار طويل للأعصاب والموارد منها إلى معركة تنتظر لحظة حسم.
وتكشف موجة التصعيد الأخيرة، التي طالت منشآت وبنية تحتية في البلدين، عن تحول في طبيعة الاشتباك نفسه؛ فأوكرانيا توسع نطاق استهدافها للداخل الروسي، بينما ترد موسكو بضربات أشد على الموانئ والبنية التحتية الأوكرانية، بما يجعل العمق الاقتصادي جزءا متزايدا من ميدان الحرب.
وفي حلقة برنامج "ما وراء الخبر"، برز هذا التحول باعتباره محاولة أوكرانية للتعامل مع معادلة عسكرية لا تبدو مواتية لها في المواجهة التقليدية، فأستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف الدكتور حسني عبيدي يرى أن كييف أدركت صعوبة استعادة الأراضي المحتلة بالقوة، ولذلك أعادت توجيه ثقلها نحو إيلام روسيا داخل عمقها.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذه الرؤية، بإحداث خسائر رمزية في الجانب الروسي بقدر ما يتعلق بضرب ما يسميه عبيدي "اقتصاد الحرب"؛ أي المنشآت النفطية والغازية والموانئ ومرافق أخرى يمكن أن يؤثر تعطيلها في قدرة موسكو على تمويل عملياتها وإدارة الحرب على المدى المتوسط والبعيد.
ومن هنا يصبح توسيع نطاق الضربات وسيلة لتعويض فارق القوة على الأرض، فأوكرانيا التي تواجه جيشا أكبر وقدرة روسية أعلى على التعبئة والاستمرار، تبحث عن ساحة تستطيع فيها استخدام ميزتها النسبية في تصنيع المسيّرات والاستفادة من الخبرات الغربية، بدلا من استنزاف ما تبقى من قدراتها في معارك برية طويلة.
لكن الرهان الأوكراني لا يقتصر على الحساب العسكري المباشر، إذ يحمل الوصول إلى العمق الروسي رسالة سياسية أيضا، فإظهار هشاشة المجال الداخلي لموسكو يهدف، بحسب عبيدي، إلى وقف التقدم الروسي من جهة، وإقناع الولايات المتحدة والدول الغربية بأن استمرار دعم كييف لا يزال ضروريا من جهة أخرى.
💬 التعليقات (0)