في السادس عشر من أغسطس عام 1946، استيقظت مدينة كلكتا الهندية على مشهد لم يكن العالم قد ألفه بعد في شبه القارة، حيث تحولت الدعوات السياسية للمطالبة بدولة مستقلة للمسلمين إلى واحدة من أبشع المجازر الطائفية. كانت هذه الأحداث، التي عُرفت لاحقاً بـ 'مذبحة كلكتا الكبرى'، بمثابة الإشارة الأولى والدموية إلى أن وحدة الهند البريطانية باتت أمراً من الماضي.
جاءت هذه الانفجارات الشعبية في وقت كانت فيه بريطانيا، المنهكة من تبعات الحرب العالمية الثانية، تبحث عن مخرج آمن يضمن لها الانسحاب من مستعمرتها الكبرى دون تفكيكها. إلا أن شوارع كلكتا قدمت إجابة قاسية للمفاوضين البريطانيين، مؤكدة أن الخلافات على طاولات الحوار قد انتقلت بالفعل إلى الأحياء والأسواق المكتظة.
دعا حزب الرابطة الإسلامية لعموم الهند حينها إلى 'يوم العمل المباشر' للضغط باتجاه إقامة دولة باكستان، وهو ما فجر مواجهات دامية مع الهندوس. وخلال أيام قليلة، سقط نحو 4 آلاف قتيل وتشريد عشرات الآلاف، في كارثة إنسانية وثقتها تقارير الأرشيف الوطني البريطاني كواحدة من أسوأ لحظات الانهيار الأمني.
لم تكن بعثة مجلس الوزراء البريطاني التي أُرسلت في مارس 1946 تتوقع هذا السيناريو، إذ كانت تحاول التوفيق بين رؤية جواهر لال نهرو لدولة موحدة ورؤية محمد علي جناح لضمانات سياسية واسعة للمسلمين. فشلت المقترحات البريطانية في جسر الهوة بين الطرفين، مما دفع الرابطة الإسلامية لسحب موافقتها على خطط الاتحاد واللجوء للشارع.
تعتبر كلكتا حالة استثنائية في الجغرافيا السياسية للهند آنذاك، فهي عاصمة البنغال التي يمثل المسلمون أغلبيتها، بينما تضم المدينة نفسها أغلبية هندوسية. هذا التداخل السكاني، مع وجود حكومة محلية تابعة للرابطة الإسلامية برئاسة حسين شهيد سهروردي، جعل المدينة برميلاً من البارود ينتظر شرارة الانطلاق.
يشير مؤرخون إلى أن العنف لم يكن طائفياً بحتاً، بل امتزج بظروف اقتصادية طاحنة خلفتها مجاعة البنغال عام 1943 وتداعيات الحرب العالمية. فقد كانت المدينة تعاني من فقر مدقع وتفاوت طبقي حاد، مما جعل عمليات النهب والحرائق جزءاً لا يتجزأ من مشهد الفوضى الذي ساد الشوارع.
💬 التعليقات (0)