الأحد 16 أغسطس 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس
الاقتصاد الفلسطيني لا يمر اليوم بأزمة عابرة يمكن تجاوزها ببعض التقشف أو انتظار تحسن الأسواق، فهو فعلاً في عنق زجاجة حقيقي، أزمات تتجاوز في تعقيداتها الأزمات الدورية، حيث تتقاطع سياسات الاحتلال الاقتصادية الخانقة مع تحديات داخلية فرضتها الظروف القاسية، حيث تضيق قدرة الاسر وحتى الشركات على الاحتمال، وفي مثل هذه اللحظات لا يصبح السؤال فقط: كم ستربح الشركة؟ بل كم شركة ستبقى، وكم بيتا سيظل مفتوحاً؟صحيح أن بيانات الإحصاء الفلسطيني للربع الثاني من عام 2026 تشير إلى تحسن طفيف في اعداد العاملين في السوق المحلي بنحو 27 ألف عامل، ليصل الإجمالي إلى نحو 680 ألفاً، إلا أن هذه الأرقام تخفي خلفها واقعاً هشاً يتطلب قراءة متعمقة، فمعدل البطالة الذي لا يزال يحوم حول 28%، وارتفاع نسبة العاملين دون عقود عمل أكثر من 41%، فضلاً عن 41 ألف عامل يتقاضون أُجوراً دون الحد الأدنى في الضفة الغربية، علماً أن الحد الادنى للأجور أُقر عام 2022، وهو رقم بات اليوم حبراً على ورق أمام تغول الغلاء، إذ تشير البيانات الإحصائية إلى أن القوة الشرائية قد تراجعت بنسبة حادة بلغت 46.4% في عموم الوطن نتيجة قفزات التضخم التراكمي، هذا التردي الاقتصادي يعمق مأساة الطبقة العاملة بشكل مزدوج، بعد أن فقدت الأجور نحو نصف قيمتها الفعلية في الأسواق، ما يضع هذه الفئة الهشة في مواجهة مباشرة مع عجز معيشي غير مسبوق، يجعل من تأمين المتطلبات الأساسية معركة صمود يومية شاقة، وكلها مؤشرات تدق ناقوس الخطر، فهذا المشهد يعكس حالة من "النمو المتعثر" أو التكيف القسري مع ظروف لا توفر استقراراً وظيفياً أو حماية اجتماعية.لكن هنا تحديداً يجب أن تتغير طريقة التفكير، فلا يمكن أن نطلب من صاحب شركة أن يعمل بخسارة إلى ما لا نهاية، ولا أن يتحول القطاع الخاص إلى صندوق إغاثة، لكن يمكن أن نقول بوضوح إن هذه ليست مرحلة عادية تصلح فيها حسابات الربح والخسارة وحدها، فتسريح العامل اليوم قد يخفض كلفة شركة، لكنه يضيف أسرة جديدة إلى سوق البطالة، ويخفض الاستهلاك، ويزيد التعثر، ثم يعود الضرر على القطاع الخاص، لكن الحفاظ على العامل، ولو عبر تخفيض مؤقت في ساعات العمل أو الأرباح أو توزيع الأعباء، يعني الحفاظ على دخل أسرة، وعلى طلب في السوق، وعلى خبرة بشرية تحتاجها الشركة عندما تنقشع الغمة. وبالتالي، فنحن في مرحلة عض أصابع، ومن يعتقد أن النجاة تعني أن تنجو شركته وحدها قد يكتشف لاحقاً أن السوق الذي يحتاجه قد اختفى، فالصمود الاقتصادي ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل مصلحة تجارية أيضاً، ما يعني أن المطلوب من الشركات ليس التضحية فقط، بل إدارة الأزمة بعقل، كتجميد بعض التوسعات، وخفض النفقات غير الضرورية، وجدولة الالتزامات، وتقاسم الكلفة بين المالك والإدارة والعامل حيث يمكن، والبحث عن أسواق وقنوات بيع جديدة، مع جعل الوظائف اخر بند يمكن المساس به.وفي المقابل، على الجهات الرسمية والمصارف والمانحين أن تتعامل مع بقاء الشركات والعمالة كأولوية اقتصادية، عبر تمويل رأس المال العامل، والتسهيلات المالية، وتوفير ضمانات تساعد المنشآت الاقتصادية على عبور هذه الفترة.قد لا نستطيع اليوم أن نربح كثيراً، لكننا نستطيع أن نمنع خسارة أكبر، عندما يتحول الركود الاقتصادي إلى تفكك اجتماعي يقتل روح الصمود.
الاقتصاد في عنق الزجاجة: لا تجعلوا العمال فاتورة الأزمة!
اللواء بلال النتشة الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)