الأحد 16 أغسطس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس
تثير الخطوات الأخيرة المتعلقة بفتح قنوات للتنسيق القنصلي والتعاون بين فنزويلا والاحتلال الإسرائيلي أسئلة سياسية تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية والإجراءات القنصلية. فهذه الخطوة، إذا ما تطورت إلى إعادة بناء العلاقات وفتح مسار للتطبيع، فإنها تمثل تحولًا لا يمكن فصله عن التاريخ السياسي لفنزويلا وموقع القضية الفلسطينية في خطاب الثورة البوليفارية.لطالما قدّمت فنزويلا نفسها، منذ عهد هوغو تشافيز، بوصفها دولة تقف في مواجهة الهيمنة الإمبريالية وترفض سياسات الاحتلال والاستيطان، وتتبنى خطابًا واضحًا في دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية. ولذلك فإن أي انفتاح رسمي على الاحتلال لا يُقرأ باعتباره مجرد تفصيل دبلوماسي، بل بوصفه تحولًا يحتاج إلى نقاش جدي حول حدود السياسة الخارجية الفنزويلية وثوابتها.المسألة هنا ليست في حق الدول في إدارة علاقاتها الخارجية أو حماية مصالح مواطنيها عبر القنوات القنصلية؛ فهذا حق سيادي لا جدال فيه. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول القنوات القنصلية إلى مدخل لإعادة العلاقات السياسية، ثم إلى تطبيع كامل مع طرف ما زال يمارس الاحتلال وينتهك الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.إن فنزويلا التي عرفناها في العقود الماضية لم تكن تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية بعيدة عن معركتها السياسية. كانت ترى في مقاومة الاحتلال جزءًا من معركة أوسع ضد الهيمنة، وفي التضامن مع الفلسطينيين تعبيرًا عن موقف أخلاقي وسياسي من قضية التحرر الوطني. ولهذا فإن أي تغيير في هذا المسار سيترك أثرًا يتجاوز السياسة الفنزويلية إلى صورة المشروع البوليفاري نفسه.ومع ذلك، فإن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة حق الشعب الفنزويلي في النقاش أو الاختلاف. فالثورات لا تُحمى بالوصاية على شعوبها، وإنما بقدرة هذه الشعوب وقواها السياسية على مراجعة خياراتها والحفاظ على استقلال قرارها الوطني.ومن هنا تأتي أهمية الثقة بالشعب الفنزويلي وقوى الثورة البوليفارية، وبقدرتها على قراءة هذه المرحلة دون التفريط بالإرث الذي راكمته فنزويلا في دعم فلسطين ومناهضة الاحتلال. فالعلاقات الدولية قد تتغير، والحكومات قد تتبدل، لكن المبادئ التي قامت عليها حركات التحرر لا ينبغي أن تصبح أول ما يُضحّى به عندما تتغير موازين السياسة.إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من البيانات بقدر ما تحتاج إلى مواقف واضحة. وفنزويلا، بما تمثله في الذاكرة السياسية لأمريكا اللاتينية ولحركات التحرر، تملك تاريخًا يجعل موقفها من فلسطين أكثر من مجرد خيار في السياسة الخارجية.وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون القنوات القنصلية مجرد إجراء إنساني محدود، أم أنها ستتحول إلى بوابة تعيد فنزويلا من موقع الخصومة مع الاحتلال إلى مسار التطبيع؟ الإجابة لن تحدد فقط شكل العلاقة بين كاراكاس وتل أبيب، بل ستحدد أيضًا ما الذي بقي من روح الثورة البوليفارية حين تصطدم المبادئ بحسابات السياسة.
فنزويلا وفلسطين: حين يصبح التطبيع خروجًا عن إرث الثورة
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
رائد محمد الدبعي: المحاضر في قسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
💬 التعليقات (0)