باستثناء أقلية تعتاش وتتغذى على ديمومة الوضع الراهن، وغياب المؤسسة، وتكلّس عجلات الديمقراطية، وتراجع القضية الفلسطينية، فإن الشعب الفلسطيني بأغلبيته يؤيد الإصلاح؛ فنحن بحاجة إلى انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية، وبحاجة إلى وحدة وطنية، وإلى الفصل بين السلطات، وبحاجة إلى قضاء مستقل، وحريات عامة، ومكافحة الفساد بجدية وعدالة ومساواة، وبحاجة إلى إصلاح المؤسسات، والإدارة والمالية العامة، وإلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتشمل كل مكونات الفضاء الفلسطيني، والى تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، وإلى الاحتكام للمؤسسة والحقائق والأرقام بدلا من الشعارات والتنظير .
لكن ثمة فرقًا هائلًا بين إصلاح يختاره الشعب بإرادته، واخر يُفرض علينا كالأغذية المعلبة الجاهزة للاستخدام، وكحبوب الدواء الجاهزة للبلع، دون أن يكون لشعبنا الحق في مناقشته أو تقييمه أو تعديله أو إخضاعه للنقاش العام؛ إصلاح تفرض القوة القائمة بالاحتلال وحلفاؤها معاييره وشروطه، ثم تجعل تحقيق حق تقرير المصير مرهونًا بتنفيذه.
منذ ما يقارب تسعين عامًا، كلما طالب الفلسطينيون بحقهم بتقرير المصير، ترفع القوى الاستعمارية في وجههم يافطة المطالبة بالإصلاح، التي تحولت إلى كلمة حق يُراد بها باطل؛ إذ يتم تجاهل القضية الأساسية والمتمثلة بالاحتلال، وتبدأ الأسئلة الهامشية تطل برأسها دون توقف: هل الفلسطينيون جاهزون للاستقلال؟ وهل مؤسساتهم صالحة؟ وهل قيادتهم مقبولة؟ وهل نظامهم المالي شفاف؟ وهل أجهزتهم الأمنية مهنية بما يكفي؟ وهل مناهجهم مناسبة؟ وهل دستورهم ونظامهم السياسي ينسجمان مع المعايير المطلوبة منهم؟ وهل أموال دافعي الضرائب في الغرب تُدفع في غير مكانها؟
بتاريخ 17 أيار/مايو 1939، وفي أوج الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1936، وبينما كانت الثورة تشعل فلسطين، ويلتحق بركبها المتطوعون العرب، وأمام مطالب الشعب الفلسطيني بإنهاء الانتداب والاستقلال ووقف الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي إلى المشروع الاستيطاني الصهيوني، أعلنت بريطانيا كتابها الأبيض، والذي أعلنت بموجبه أن سياستها أصبحت تتمحور حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، يعيش فيها العرب واليهود، ويتقاسمون مسؤوليات الحكم، إلا أنها ربطت ذلك بمرحلة انتقالية، يجري خلالها التطوير التدريجي لمؤسسات الحكم الذاتي، وإشراك الفلسطينيين واليهود بصورة متزايدة في إدارة البلاد، مع بقاء السلطة النهائية في يد بريطانيا خلال المرحلة الانتقالية، من هنا ظهرت معادلة لا تزال ترافق الفلسطينيين حتى اليوم: طوّروا مؤسساتكم أولًا، ثم يأتي الاستقلال. وما من داعٍ للتذكير بأن الانتداب انتهى بنكبة شعبنا عام 1948، دون إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة.
بعد أكثر من نصف قرن، عاد الفلسطينيون إلى تجربة انتقالية جديدة؛ ففي 13 أيلول/سبتمبر 1993، وُقّع إعلان المبادئ الفلسطيني–الإسرائيلي في واشنطن، ونشأت بموجبه سلطة وطنية فلسطينية انتقالية، محددة بخمس سنوات، كان يُفترض أن يتم خلالها التفاوض على قضايا الوضع النهائي، وفي مقدمتها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والحدود، والترتيبات الأمنية. انتهت السنوات الخمس في أيار/مايو 1999. ومرة أخرى، بدلًا من أن يطرح المجتمع الدولي الأسئلة الأكثر عدالة وإلحاحًا، وفي مقدمتها: لماذا لم ينتهِ الاحتلال؟ ولماذا لم تُنجز التسوية النهائية؟ ولماذا يستمر الاستيطان الإسرائيلي ويتوسع على الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟ تحول السؤال مرة أخرى إلى: هل الفلسطينيون مؤهلون للاستقلال؟
وفي 28 حزيران/يونيو 1999، وبعد أسابيع فقط من انتهاء الفترة الانتقالية المحددة في أوسلو، صدر تقرير برعاية مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، برئاسة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ميشيل روكار، حمل عنوان " تعزيز المؤسسات العامة الفلسطينية". المشكلة ليست في التقرير ذاته؛ فمعظم ما جاء به من ملاحظات على مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، من الرئاسة ومجلس الوزراء إلى المجلس التشريعي والقضاء والمالية والخدمة المدنية والأمن والإدارة العامة، كان حقيقيا، وتوصياته بتعزيز الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والشفافية المالية، وإصلاح الخدمة المدنية، وتحديد الصلاحيات، وتعزيز المساءلة، كانت ضرورية فعلًا. لكن السؤال الأبرز كان يتمثل في توقيت التقرير، والأجندة السياسية للجهة التي تقف خلفه؛ وربط حرية شعبنا واستقلاله بقائمة طويلة من المطالب الدولية تحت يافطة " الإصلاح "، فبدلًا من أن يتحول الضغط الدولي نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، بدأ يتحول تدريجيًا نحو السؤال: هل الفلسطينيون ومؤسساتهم جاهزون للدولة؟ وهنا بدأت المرحلة الحديثة من فخ الإصلاح.
💬 التعليقات (0)