خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين يُطرح سؤال: ما معنى المنطقة العازلة في غزة، لا يتعلق الأمر بخط نظري على خريطة أو بإجراء أمني عابر. المقصود واقع ميداني فرضه الاحتلال الإسرائيلي بالقوة الغاشمة يقتطع مساحات من أرض الفلسطينيين، ويحوّل محيط غزة إلى منطقة خوف دائم، ويمنع المزارعين والرعاة والسكان من الوصول الآمن إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. وفي ظل حرب الإبادة المستمرة وما خلّفته من تدمير وتهجير، أصبح المصطلح عنواناً لمشروع أوسع يعمّق السيطرة العسكرية الإسرائيلية ويضيّق الحيز المتاح للحياة الفلسطينية.
المنطقة العازلة هي مساحة من الأرض يفرض الاحتلال قيوداً عسكرية على الاقتراب منها أو استخدامها، عادة بمحاذاة السياج الفاصل شرقي وشمالي قطاع غزة. ويقدّم الاحتلال هذه المساحة باعتبارها نطاقاً أمنياً، لكنه يوسّعها عملياً بالقوة والنار، من دون أن تكون حدودها ثابتة أو معلنة بصورة تضمن سلامة المدنيين.
قبل حرب الإبادة، كان سكان المناطق الحدودية يعرفون أن الاقتراب من السياج قد يعرّضهم لإطلاق النار، حتى عندما يكونون داخل أراضٍ فلسطينية. وقد اختلفت المسافات التي تعامل معها الاحتلال كمنطقة محظورة من فترة إلى أخرى، ولكنها كانت في نطاق 300 متر من السياج، فكان الخطر يطال حقولاً زراعية ومناطق سكنية ومنشآت مدنية.
أما بعد العدوان الإسرائيلي الواسع على غزة منذ 2023، فقد برزت مسميات جديدة منها الخط الأصفر الذي باتت له منطقة عازلة جديدة. والخط الأصفر هو خط وهمي محدد بكتل إسمنتية صفراء تحركها في عمق الأحياء الفلسطينية القوات المحتلة بين الحين والآخر، وهو حتى الآن يعزل ما مساحته نحو 60 % من مساحة قطاع غزة، جنوبا وشرقا وشمالا، فيما المنطقة العازلة الجديدة تتعدى مساحة 10 % من مساحة القطاع. وباتت هذه المنطقة العازلة سياسة ميدانية تُنتج واقعاً جديداً: أراضٍ فلسطينية تبقى قائمة في السجلات، لكنها تصبح غير قابلة للزراعة أو السكن أو الحركة الآمنة.
لا تُرسم المنطقة العازلة بقرار إداري واضح يتيح للناس معرفة ما لهم وما عليهم. في الواقع، تُفرض عبر القوة العسكرية الصهيونية. تُهدم البيوت القريبة من الحدود، وتُجرف الأشجار والمحاصيل، وتُسوّى الأراضي، وتُستهدف الحركة في محيطها. وبذلك يتحول الغموض نفسه إلى أداة سيطرة، لأن المدني لا يعرف أين يبدأ الخطر ولا ما إذا كان سيُسمح له بالعودة إلى أرضه في اليوم التالي.
💬 التعليقات (0)