جاءت فكرة هذا المقال من سؤال أثاره لديّ النقاش المتصاعد حول العدالة الانتقالية في سوريا، وإصرار الدولة على المضي في هذا المسار لمعالجة إرث سنوات طويلة من الصراع والانتهاكات. عندها سألت نفسي: هل يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في فلسطين أيضاً؟ وهل تصلح الأدوات التي طُبقت في مجتمعات خرجت من الحروب أو الأنظمة الاستبدادية لحالة شعب ما زال يعيش تحت الاحتلال؟
قادني هذا السؤال إلى إشكالية أعمق، فقد قامت مقاربات سياسية عديدة خلال العقود الماضية على افتراض إمكانية إدارة الاحتلال والتعايش معه مرحلياً، وكأنه نزاع سياسي أو عقاري تقليدي يمكن احتواؤه بالتفاوض والتسويات الجزئية. لكن كثيراً من هذه المقاربات أخفقت لأنها لم تمنح الوزن الكافي لطبيعة الاحتلال والاستيطان والتهجير المستمر، ولا لاختلال موازين القوى والواقع القانوني والسياسي الذي يميز الحالة الفلسطينية. فالاحتلال هنا ليس مجرد خلاف على حدود أو ملكية، بل واقع ممتد أنتج منظومة متراكمة من الانتهاكات طالت الأرض والإنسان والمُلكية والهوية والذاكرة.
من هنا بدا لي أن اختبار مفهوم العدالة الانتقالية على الحالة الفلسطينية يستحق النقاش. فهذا المفهوم، في الفكر القانوني والسياسي المعاصر، يقوم على أربعة أركان مترابطة: كشف الحقيقة، والملاحقة القضائية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار. غير أن تطبيق هذه الأركان على فلسطين يثير مفارقة أساسية: كيف يمكن بناء عدالة انتقالية بينما لم يحدث الانتقال بعد، وما زالت الانتهاكات التي يُفترض معالجة آثارها مستمرة؟ وهل يمكن الاستفادة من هذا المفهوم من دون الوقوع مجدداً في خطأ استنساخ تجارب دولية لم تُصمم أصلاً لواقع استعماري استيطاني ممتد؟كيف يمكن بناء عدالة انتقالية بينما لم يحدث الانتقال بعد، وما زالت الانتهاكات التي يُفترض معالجة آثارها مستمرة؟ وهل يمكن الاستفادة من هذا المفهوم من دون الوقوع مجدداً في خطأ استنساخ تجارب دولية لم تُصمم أصلاً لواقع استعماري استيطاني ممتد؟ أخبار ذات صلة خلف القضبان.. حين تُختبر الإنسانية وتخفق العدالة عزل كريم خان… حين تصبح العدالة الدولية انتقائية
قراءة في التجارب الدولية بين النجاح ومساحات القصور
تُعد لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا إحدى أشهر أدوات الانتقال الشامل، حيث اعتمدت معادلة العفو مقابل الاعتراف بالحقيقة لتجنب حرب أهلية دموية. نجحت جنوب أفريقيا في إرساء نظام ديمقراطي قائم على المساواة السياسية وتعديل الدستور، لكنها واجهت انتقادات واسعة لإغفالها العدالة الاقتصادية؛ إذ ظلت موازين الثروة والأرض بيد الأقلية التي مارست الاضطهاد، مما جعل جبر الضرر مجزّأً.
وفي رواندا، شُكّل نموذج يجمع بين القضاء الدولي والمحاكم المحلية التراثية لملاحقة المتورطين في الإبادة الجماعية لعام 1994، وأثبت المسار نجاحاً في بناء مؤسسات الدولة والسيطرة على رغبات الانتقام، لكنه ظل محصوراً في إطار معالجة اقتتال داخلي بين أبناء الوطن الواحد.
💬 التعليقات (0)