قالت منظمة البيدر الحقوقية بأن توجيه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى جيش الاحتلال بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية إلى شرطة الاحتلال، يمثل تطورا لافتا في مسار إعادة تشكيل منظومة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة لا تتوقف عند بعدها الإجرائي، بل تكمن أساسا في دلالتها السياسية والقانونية، باعتبارها تنقل وظيفة كانت مرتبطة بمنظومة الحكم العسكري إلى مؤسسة مدنية إسرائيلية.
وأضافت "البيدر"، أن الأمر لا يتعلق، وفق المعطيات المتاحة، بمنح شرطة الاحتلال اختصاصا جديدا بالكامل، فهي تعمل أصلا في الضفة الغربية ضمن صلاحيات محددة ومفوضة، إلا أن الجديد يكمن في الاتجاه نحو جعل إنفاذ القانون على المستوطنين وظيفة مدنية إسرائيلية بصورة أكثر انتظاما، بما يقرب آليات التعامل معهم من تلك المعمول بها داخل دولة الاحتلال نفسها، وهذا التحول، وإن بدا في ظاهره إعادة توزيع للمهام بين جيش وشرطة الاحتلال، إلا أنه يحمل في جوهره دلالة أوسع، تتمثل في إعادة تعريف موقع المستوطنين داخل المنظومة الإسرائيلية، ونقل التعامل معهم تدريجيا من إطار الاحتلال العسكري إلى إطار مؤسسات الدولة المدنية.
وتزداد أهمية هذا التطور عندما يوضع في سياقه الأوسع؛ إذ إن نقل وظيفة إنفاذ القانون لا يأتي منفردا، وإنما بعد سلسلة من الخطوات التي شهدت انتقال صلاحيات مرتبطة بالشؤون المدنية، والأراضي، والتخطيط، والإدارة، من مؤسسات الحكم العسكري إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وبهذا المعنى، فإن المسار لا يقتصر على تغيير الجهة التي تتولى التعامل مع المخالفات أو الجرائم التي يرتكبها المستوطنين، وإنما يتصل بإعادة بناء منظومة إدارية وقانونية متكاملة لإدارة الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية. أخبار ذات صلة بعد قرار بن غفير الجديد بخصوص الأسرى.. دعوات حقوقية للتدخل لإنقاذهم هل تعيد غزة تشكيل مفهوم الإبادة الجماعية في القانون الدولي؟
وأشارت البيدر، إلى أن هذه العملية تكشف عن مفارقة جوهرية في طبيعة النظام القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فبينما يجري إدماج المستوطنين بصورة متزايدة في مؤسسات القانون والإدارة والخدمات المدنية الإسرائيلية، فيما يبقى الفلسطينيون خاضعين لمنظومة الحكم العسكري، وبذلك يتشكل واقع قانوني وإداري مزدوج داخل الأرض نفسها: منظومة مدنية إسرائيلية تتوسع تدريجيا حول المستوطنين، ومنظومة عسكرية تستمر في إدارة حياة الفلسطينيين، ولا تكمن خطورة هذا الفصل فقط في آثاره اليومية، وإنما في أنه يساهم تدريجيا في تغيير طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية القائمة بالاحتلال والمستوطنات، وتحويلها من تجمعات استيطانية قائمة في أرض محتلة إلى مكونات أكثر اندماجا في النظام المؤسسي الإسرائيلي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري باعتباره انتقالا تدريجيا من إدارة الاحتلال إلى إدارة مدنية إسرائيلية للمشروع الاستيطاني، فكلما انتقلت الصلاحيات المتعلقة بالمستوطنين والأرض والتخطيط والبنية التحتية وإنفاذ القانون من المؤسسة العسكرية إلى مؤسسات الدولة المدنية، تقلصت عمليا المسافة المؤسسية بين المستوطنات ودولة الاحتلال، وأصبح وجودها أكثر ارتباطا بالمنظومة الحكومية الإسرائيلية، سواء من خلال الميزانيات أو التخطيط أو الخدمات أو القانون أو أجهزة إنفاذه.
وأكدت منظمة العفو الدولية، في سياق تحليلها للتطورات الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن السنوات الأخيرة شهدت نقل صلاحيات مدنية من مؤسسات عسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، بما في ذلك مجالات تتصل بالأراضي والتخطيط والتسجيل العقاري، بالتوازي مع مبادرات تهدف إلى توسيع تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنين وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا السياق يجعل توجيه كاتس جزءا من مسار أوسع، لا مجرد إجراء أمني منفصل.
💬 التعليقات (0)