لا نعرف دائما ما نفكر فيه، إلا بعد أن نحاول كتابته
قد تبدو هذه العبارة متناقضة للوهلة الأولى. فالكتابة، في تصورنا المألوف، تأتي بعد اكتمال الفكرة، كأنها مجرد وعاء ننقل إليه ما استقر في الذهن. لكن التجربة تعلمنا شيئا آخر: كثيرا ما تكون الفكرة نفسها نتاجا للكتابة، لا سابقة عليها.
داخل الذهن تستطيع الأفكار أن تعيش في سلام مع تناقضاتها. فالغموض لا يلفت الانتباه، والقفزات المنطقية تمر من غير مساءلة، والنتائج تستند إلى مقدمات لم نفحصها بعد. أما حين تتحول الفكرة إلى كلمات، فإنها تفقد هذه الحصانة. تصبح مطالبة بأن تفسر نفسها، وأن تكشف الطريق الذي أوصل إليها. كل جملة تسأل عما قبلها، وكل نتيجة تبحث عن دليلها، وكل يقين يواجه لأول مرة احتمال ألا يكون يقينا.
لهذا لا أتعامل مع الكتابة على أنها مرحلة تلي التفكير، بل على أنها إحدى أدواته. وربما كانت أدقها.
وقد قامت مقالات مونتين كلها على هذه الفكرة، وإن لم يصغها بهذه العبارة. فهو لم يكتب ليقرر حقائق نهائية، وإنما ليختبر أفكاره وهو يكتبها. حتى عنوان كتابه، المقالات، بالفرنسية essais أصله اللغوي: من فعل المحاولة essayer. وكأن التفكير نفسه لا يكتمل إلا إذا خاض تجربة الكتابة.
ولعل هذا هو السر في أن بعض النصوص يفاجئ أصحابها قبل أن يفاجئ قراءها. تبدأ المقالة بفكرة، ثم تنتهي إلى أخرى لم تكن تخطر في البال عند السطر الأول. ليس لأن الكاتب غير رأيه، بل لأن الكتابة منحته فرصة أن يراه بوضوح.
💬 التعليقات (0)