ربما آن الأوان أن نعترف بأننا لم نعد نعاني فقط من فائض في الكلام، بل من تضخم لغوي أصاب وعينا السياسي والثقافي حتى أصبحنا ننتج الكلمات بمعدل يفوق قدرتنا على إنتاج الواقع. لقد امتلأت حياتنا بمعلّبات فكرية جاهزة، تُفتح عند الحاجة، وتُستهلك عند الأزمات، ثم تُعاد إلى الرف بانتظار الكارثة التالية: نستنكر، ندين، نرفض، نحذر، نتمسك، نؤكد، ونحمّل المسؤولية. ثم ماذا؟ نعود إلى الصمت.
المشكلة ليست في الكلمات. الكلمات هي أول أدوات الإنسان لصناعة التاريخ. لكن الكلمة تفقد قيمتها عندما تنفصل عن القدرة على تحويلها إلى فعل. عندها لا تعود خطابًا، بل تصبح مخدرًا جماعيًا يمنحنا وهم المشاركة فيما يحدث، بينما نحن في الحقيقة نكتفي بمشاهدة التاريخ من مقاعد المتفرجين.
لقد صنعنا، عبر عقود طويلة، قاموسًا كاملًا للهزيمة دون أن نعترف بأنها هزيمة، وقاموسًا كاملًا للانتصار دون أن نمتلك دائمًا مقوماته. نسمي الانتظار صمودًا، والعجز حكمة، والانقسام تعددية، والفشل تعثرًا، والتراجع إعادة تموضع، والصمت مسؤولية.
وأحيانًا نمنح الهزيمة اسمًا أكثر أناقة حتى لا تضطر عقولنا إلى مواجهتها. وهنا تكمن خطورة المعلّب الفكري: أنه لا يكذب بالضرورة، لكنه يقول جزءًا من الحقيقة بطريقة تمنعنا من رؤية الجزء الآخر.
حين نقول إن الاحتلال هو سبب مأساتنا، فنحن نقول حقيقة لا تحتاج إلى برهان. لكن حين نجعل الاحتلال تفسيرًا وحيدًا لكل شيء، نكون قد حوّلنا الحقيقة إلى قفص فكري. لأن الاحتلال لا يعفينا من مسؤولية بناء واقع أفضل، ولا من محاربة الفساد ومحاكمتهم، ولا من إنتاج اقتصاد قادر على الصمود، ولا من مراجعة أخطائنا السياسية والاجتماعية.
المشكلة تبدأ حين تتحول الضحية إلى هوية مكتملة؛ هوية لا تحتاج إلى مراجعة لأنها تجد في الألم ما يكفي لإثبات البراءة. وهنا يصبح النقد فعل مقاومة حقيقيًا.
💬 التعليقات (0)