كما توقّع الكثيرون ومن بينهم نحن، فقد هرب رئيس أميركا دونالد ترامب من هذه الجولة من الحرب بأن أعلن عن التمديد للمرة الرابعة أو الخامسة، ومن دون تحديد المدة، وهو أمر مقصود على ما يبدو، في محاولة جديدة «لتهريب» تراجعه المكشوف تحت ذرائع باتت واهية ومفضوحة تعكس العجز عن الذهاب إلى قرار الحرب. هناك ما يكفي من الأسباب، وما يزيد، أيضاً، ويفيض فيها ما يجعل قرار الحرب قراراً «انتحارياً» من زوايا معينة، لكنها جوهرية، وأكبر وأخطر من مجرّد مغامرة.
السبب الأوّل، أن قرار الحرب لا يحظى بموافقة من الدوائر المقررة في وزارة الحرب الأميركية، ليس بسبب عدم قدرة القوات الأميركية على «إنجاز» المهمة، وإنما لأن هذا الإنجاز بالذات هو «مصيبة» هذه الحرب، وهو مقتلها، وهو الذي سيجرّها إلى حيث إنها ستشمل في ضوء نتائجها والمتوقعة على دمار مؤكّد لكل الأصول والبنى في دولة الاحتلال، وفي معظم الدائرة الخليجية، وبذلك تكون أميركا قد خسرت ما كانت تدافع عنه، وتسعى للسيطرة عليه، وما كانت تراه ذخراً إستراتيجياً لها في الصراع العالمي على مصادر الطاقة.
السبب الثاني، هو أن أميركا كانت ستلحق باقتصادها أكبر الأضرار وأفدحها، وبالاقتصاد العالمي ما لا طاقة على تحمّله، وبما كان سيؤدي بالدول الأوروبية، وبالكثير الكثير من دول العالم إلى أزمات اقتصادية واجتماعية تتراوح بين أسوأ معدّلات الركود، وصولاً إلى الإفلاس، وربما الجوع، وإلى انحدارات حادّة من الفقر والإفقار، وإلى انقلابات سياسية، وكذلك اجتماعية، وإلى «فشل» الدولة في بلدان كثيرة من العالم.
والسبب الثالث، هو أن قرار الذهاب إلى الحرب، والذي تعارضه الأغلبية الساحقة جداً من شعوب الأرض قاطبة، والأغلبية الساحقة من دول العالم، وفي الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب، المعادية لأميركا وحتى «المناصرة» لها كان سيعني في الواقع أن هذه الحرب إنما تُخاض لصالح دولة الاحتلال تحديداً.. مرّة أخرى جديدة ما يحوّلها إلى فضيحة جديدة، طالما أنها لم تعد «شعبية» في أميركا، وطالما أن معارضتها في ارتفاع متصاعد، وطالما أن «تهمة» المصالح الإسرائيلية أصبحت تلاحق ترامب في كل مكان من داخل أميركا، ومن خارجها.
وكان قرار الذهاب إلى الحرب في هذا الإطار تحديداً سيؤدّي حتماً إلى انشطار الحزب الجمهوري، وإلى تصدّعه، ناهيكم عن خساراته الانتخابية.
ليس هذا كله فقط، وإنما أكثر من ذلك فقد كان من الصعب، وربما من المستحيل، أيضاً، أن تؤدي هذه الحرب إلى أي نتيجة من شأنها تفادي الدخول في حرب برّية قد تمتدّ لسنوات طويلة، وقد تتحوّل إلى حرب استنزاف أخطر من كل حروب أميركا، وقد كان ممكناً، ومرئياً تماماً أن تكون هذه الحرب بالذات هي النهاية الفعلية للإمبراطورية الأميركية، حتى لا نقول سقوطها.
💬 التعليقات (0)