تشهد الساحة الفلسطينية في قطاع غزة ، في ظل حرب الإبادة المستمرة، حالة من إعادة التموضع الإداري والسياسي، ما تزال ملامحها العامة غير مكتملة وغير محسومة. وفي غياب استقرار سياسي واضح، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو المؤسسات المحلية، وعلى رأسها البلديات، باعتبارها الإطار الأكثر قدرة – ولو نسبياً – على الاستمرار في إدارة الشأن الخدمي اليومي.
ورغم أن اختيار دير البلح لإجراء الانتخابات يبدو في ظاهره قراراً فنياً، إلا أن المؤشرات ترجّح كونه قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، أكثر مما هو نتاج مسار تقني مستقل تقوده لجنة الانتخابات المركزية. وهذا لا يعكس فقط تسييس القرار، بل يكشف استمرار هيمنة السلطة الفلسطينية على المسار الانتخابي، حتى في مستواه المحلي، ضمن نمط إدارة يقوم على التحكم أكثر مما يقوم على بناء عملية ديمقراطية مستقلة. وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات المحلية في مدينة دير البلح، المقررة في 25 نيسان/أبريل 2026، أهمية تتجاوز بعدها الخدمي المباشر، لتتحول إلى مؤشر أولي على حدود إمكانية إعادة تفعيل العمل المؤسسي في بيئة ما تزال تعيش تحت وطأة الحرب وتداعياتها.
ويعكس هذا المسار، في عمقه، ما يمكن وصفه بأنه ليس صراع قوة بقدر ما هو تقاطع ضعف: سلطة فلسطينية محدودة الفاعلية تدير القرار عن بُعد، وحركة حماس منهكة وملاحَقة، لكنها لم تفقد قدرتها على التأثير الميداني. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الانتخابات محكومة بسقف منخفض من الفاعلية، أقرب إلى إدارة الواقع القائم منها إلى إحداث تغيير حقيقي.
غير أن هذا لا يعني بالضرورة وجود صيغة سياسية مستقرة أو مكتملة لإدارة قطاع غزة. فالحدث، رغم طابعه البلدي، يأتي في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود ما يمكن أن تنتجه صناديق الاقتراع في ظل فراغ سياسي وإداري غير مسبوق. وهذا الفراغ لا يمكن التعامل معه كمعطى موضوعي فقط، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السلطة الفلسطينية في الحفاظ على وحدة النظام السياسي، وعجزها عن تجديد شرعيتها أو إعادة بناء مؤسساتها على أسس تمثيلية حقيقية.
لا يمكن فصل هذه الانتخابات عن الواقع الميداني والسياسي في غزة، حيث ما تزال الحرب حاضرة بقوة في تدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية، في ظل نزوح واسع وضغط هائل على الموارد المحدودة. وفي هذا السياق، تبدو البلديات أقرب إلى وحدات إدارة طوارئ ممتدة، أكثر من كونها مؤسسات حكم محلي تقليدية، خاصة في ظل عجزها عن توفير الحد الأدنى من الخدمات نتيجة انهيار المنظومة الحكومية والبلدية.
وهذا الواقع لا يعكس فقط آثار الحرب، بل يفضح هشاشة نموذج الحكم الذي كرّسته السلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، والذي قام على إدارة بيروقراطية مرتهنة للتمويل الخارجي، أكثر من كونه مشروعاً لبناء قدرة مؤسساتية وطنية قادرة على الصمود في لحظات الانهيار. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة أي مجلس بلدي منتخب على تحويل نتائج الانتخابات إلى سياسات فعالة، في ظل غياب الاستقرار المالي والإداري، واستمرار القيود على إعادة الإعمار، فضلاً عن غموض طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الهيئات خلال المرحلة المقبلة.
💬 التعليقات (0)