لم تعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية مجرد هجمات أو أعمال عنف منفصلة، بل بدأت تأخذ شكلًا أكثر خطورة وتنظيمًا، يتحول فيه الحصار إلى أداة للضغط والاقتلاع، والمنزل الفلسطيني إلى هدف مباشر في معركة السيطرة على الأرض ، وما جرى في قصرة وجالود يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ فالمطلوب لم يعد فقط الاعتداء على الفلسطيني أو تخويفه، وإنما دفعه تدريجيًا إلى مغادرة منزله وأرضه، ثم تحويل غيابه إلى واقع استيطاني دائم ، وهو نموذج إذا نجحت سيتم تعميمه على مناطق أخرى.
في جالود، وصلت الضغوط على عائلة المواطن محمود الطوباسي ، إلى مرحلة انتهت بإخلاء المنزل بعد أشهر من الحصار والاعتداءات ، وفي قصرة يتكرر السيناريو مع عائلة يوسف أبو ريدة في منطقة رأس العين، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إلى المنزل، وقُطعت المياه والكهرباء، وأقيمت مظاهر استيطانية حول المكان، بما يجعل الحياة اليومية للعائلة أشبه بإقامة قسرية داخل حصار مفتوح.، هنا تكمن خطورة المشهد؛ فحين يُحاصر المنزل ويُمنع الوصول إليه وتُقطع عنه مقومات الحياة، فإن الهدف يتجاوز الترهيب إلى صناعة ظروف تجعل الرحيل نتيجة متوقعة.
هذه السياسة، إذا ما استمرت واتسعت، تعني انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة في الضفة الغربية ، فبدل أن تكون السيطرة على الأرض نتيجة مباشرة لإقامة مستوطنة أو بؤرة استيطانية، تصبح عملية السيطرة أكثر تدرجًا: يبدأ الأمر باعتداءات، ثم إغلاق طرق، ثم التضييق على أصحاب الأرض، ثم حصار المنازل، وصولًا إلى خروج السكان، وبعد ذلك تتحول الأرض إلى مساحة مفتوحة أمام التوسع الاستيطاني، إنها عملية تغيير ديموغرافي وجغرافي بطيئة، لكنها شديدة الفاعلية. أخبار ذات صلة "إرهاب تحت غطاء 'الدولة".. جيش الاحتلال ومستوطنوه يشعلون الضفة بالدم والنار والتهجير الصامت محطم أسطورة "الشاباك".. القائد إبراهيم البياري عشرون عاماً من الإعداد الصامت قادت لطوفان الأقصى
والأخطر سياسيًا أن هذه الوقائع لا تحدث في فراغ أمني، فبحسب ما تشير إليه التقارير الفلسطينية، هناك تزامن بين تحركات المستوطنين والإجراءات التي يتخذها جيش الاحتلال في المنطقة، بما في ذلك إعلان مناطق عسكرية مغلقة ومحاولات محدودة لإخلاء بعض البؤر المستحدثة ، وإذا كان الاحتلال يعلن أحيانًا أنه يحاول إخلاء بؤرة أو منع اعتداء، فإن السؤال السياسي الحقيقي هو: لماذا تستمر البؤر بالظهور أصلًا؟ ولماذا يستطيع المستوطنون فرض حصار على منزل فلسطيني لأشهر؟ ومن يحمي الطرق التي تُغلق، والمياه والكهرباء التي تُقطع، والأراضي التي يجري الاستيلاء عليها بالأمر الواقع؟
إن الحديث عن المستوطنين باعتبارهم مجرد مجموعات خارجة عن القانون لا يكفي لتفسير ما يحدث ، فالاستيطان في الضفة الغربية ليس ظاهرة اجتماعية منفصلة عن منظومة الاحتلال، بل يرتبط بصورة مباشرة بموازين القوة التي يفرضها الجيش والسلطات الإسرائيلية على الأرض ، ولذلك فإن أي تحليل سياسي جاد لما يحدث في قصرة وجالود يجب أن ينظر إلى العلاقة بين المستوطن والجيش والمؤسسات الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من منظومة واحدة، حتى عندما تظهر بينها خلافات تكتيكية أو صدامات محدودة.
والهدف الأبعد من هذه الممارسات لا يبدو محصورًا في السيطرة على منزل هنا أو قطعة أرض هناك ، فكل منزل يُخلى، وكل عائلة تُجبر على الرحيل، وكل طريق يُغلق، وكل بؤرة استيطانية جديدة تُفرض على الأرض، يساهم في إعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة الغربية ، ومع مرور الوقت تتحول المناطق الفلسطينية إلى جزر منفصلة تحاصرها المستوطنات والبؤر والطرق الاستيطانية والمناطق العسكرية، ويصبح التواصل بين القرى والبلدات أكثر صعوبة، بينما تتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض تدريجيًا.
💬 التعليقات (0)