في حلبة السياسة الدولية، لا شيء يبدو أكثر إغراءً وأشد إيلاما من السراب الإستراتيجي الذي تلاحقه القوى العظمى المتمثل في وهم السيطرة المطلقة والقدرة على حسم النزاعات التاريخية بضغطة زر أو بضربة خاطفة.
وفي الحرب الحالية على إيران، لا يقتصر الخطر على كلفة المواجهة العسكرية أو اضطراب أسواق الطاقة، بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل القوة الأمريكية نفسها، فهل أصبحت الولايات المتحدة عاجزة عن مقاومة جاذبية الحرب حتى عندما تدرك مسبقا أخطارها؟
هذا هو السؤال المحوري الذي تطرحه الباحثة إيما أشـفورد، الزميلة البارزة في برنامج "إعادة تصور الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة" التابع لمركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث، في مقال تحليلي نشرته مجلة فورين أفيرز بعنوان "انجذاب أمريكا القاتل إلى الحرب".
أما مراسلة الشؤون الخارجية في مجلة بوليتيكو، نهال طوسي، فتذهب في تحليلها إلى أن واشنطن دخلت بالفعل مستنقعا جديدا يشبه ما غاصت فيه في العراق، لكن في بيئة دولية أكثر خطورة.
في مقالها، ترى أشفورد أن المفارقة الأولى تكمن في أن دونالد ترمب عاد إلى البيت الأبيض وهو يقدم نفسه بوصفه الرئيس الذي سيضع حدا لـ"الحروب التي لا تنتهي"، بل إن السنة الأولى من ولايته الثانية أعطت مؤشرات على إمكانية حدوث تحول حقيقي في السياسة الخارجية الأمريكية.
فقد ضغط ترمب على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، ودفع باتجاه محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، وسعى إلى تخفيف التوتر مع الصين بشأن تايوان، بل إن إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 جاءت لتكسر النمط التقليدي عبر الاعتراف الصريح بأن المصالح الأمريكية محددة ومحصورة، وأن أيام سيطرة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية للولايات المتحدة قد ولت أخيرا.
💬 التعليقات (0)