تحل الذكرى السابعة والسبعون لاعتماد اتفاقيات جنيف الأربع في وقت يواجه فيه العالم تحديات غير مسبوقة في احترام قواعد الحرب. ورغم أن هذه الاتفاقيات حظيت بإجماع عالمي استثنائي بتصديق 196 دولة، إلا أن الواقع الميداني في النزاعات المعاصرة يكشف عن مفارقة صارخة بين النص والتطبيق.
تعتبر اتفاقيات جنيف، التي اعتمدت في 12 أغسطس 1949، حجر الأساس للقانون الدولي الإنساني، حيث تهدف إلى حماية الفئات التي لا تشارك في القتال. وتشمل هذه الحماية الجرحى والمرضى في القوات المسلحة، وأسرى الحرب، والمدنيين الذين يجدون أنفسهم وسط نيران النزاعات المسلحة.
يؤكد خبراء قانونيون أن وظيفة القانون الدولي الإنساني تبدأ فور اندلاع النزاع المسلح لتنظيم طرق خوضه، دون النظر إلى شرعية اللجوء للقوة. وهذا يعني أن حماية المدنيين تظل قائمة كالتزام قانوني مطلق، ولا تسقط بذريعة الانتهاكات التي قد يرتكبها الطرف الآخر في النزاع.
تكتسب المادة الثالثة المشتركة بين الاتفاقيات أهمية جوهرية، كونها تفرض حداً أدنى من المعاملة الإنسانية حتى في النزاعات غير الدولية. وتحظر هذه المادة بشكل قاطع أعمال القتل والتعذيب وأخذ الرهائن، وتلزم جميع الأطراف، بما في ذلك الجماعات المسلحة غير الحكومية، بجمع الجرحى والعناية بهم.
إن مجرد التصديق على المعاهدات الدولية لا يعني بالضرورة وجود جهاز رقابي عالمي قادر على وقف الهجمات فور وقوعها. فالمادة الأولى من اتفاقيات جنيف تلزم الدول ليس فقط باحترام القواعد، بل بضمان احترامها من قبل الآخرين، وهو التزام يتطلب إرادة سياسية ومؤسسات وطنية فاعلة.
يتطلب تحويل الالتزامات القانونية إلى واقع ملموس إدماج قواعد القانون الدولي في العقيدة العسكرية للجيوش وتدريب القوات عليها. كما يستلزم الأمر سن تشريعات وطنية تسمح بالتحقيق في الانتهاكات وحماية الشهود والأدلة، وهو ما يتعذر تحقيقه غالباً في ظل ظروف الحرب المعقدة.
💬 التعليقات (0)