ما إن صدر المرسوم الرئاسي بتنظيم ثالث انتخابات تشريعية منذ قيام السلطة، والأولى منذ عقدين من التعطيل والتأجيل، حتى احتدم الجدل في أوساط النخب الفلسطينية، بين مرحب ومتحفظ ومتشكك، لتنضاف إلى طبقات انقسام الفلسطينيين المتراكبة، طبقة جديدة، لا نعرف كيف ستنتهي، وما يمكن أن يتولد عنها من تحالفات، وعمليات تقارب وتباعد بين القوى والمكونات الفلسطينية.
بعض الفلسطينيين الأكثر حذرا وتشاؤما، لا يستبعدون إرجاء الاستحقاق مرة أخرى، لا سيما إن راودت القائمين عليه، كوابيس الفشل والهزيمة، برغم التحوطات و"الهندسات" والإجراءات الاحترازية.
قصة الانتخابات بدأت بمرسوم رئاسي مفاجئ يدعو لانتخاب مجلس وطني جديد، من ضمن مسعى قيل إنه يهدف إلى إحياء منظمة التحرير، وتجديد الشرعيات التي مضى على "لا شرعيتها" سنوات طوال. ونقول "مفاجئ":
على أية حال، لم تدم الحيرة طويلا، فالمرسوم صدر في الاتجاه المعاكس لمسار شق طريقه منذ قيام السلطة في عام 1994، حين تلاقت إرادات إقليمية ودولية على "تذويب" المنظمة، وإعلاء شأن السلطة وإحلالها محلها، من ضمن رؤية أوسع وأخطر، تسعى في اختزال الشعب الفلسطيني بأهل الضفة والقطاع، وإسقاط قضية اللاجئين والشتات وحق العودة، واختصار الجغرافيا الفلسطينية بما يتبقى من الضفة الغربية، بعد إشباع الشهية التوسعية لمجتمع الاستيطان والمستوطنين.
وسرعان ما طوت الرئاسة صفحة انتخابات المجلس الوطني، بعد أن تبلغت بالرسائل الإقليمية والدولية التي تستهجن الخطوة وتستبعدها، فلا ضوء أخضر سياسيا تحصلت عليه، ولا تمويل لخطوة من هذا النوع، ولا موافقة على اعتبارها جزءا من "برنامج الإصلاح" الذي تضغط جهات عربية ودولية على رام الله لإنجازه.
وهو إذ يسمى برنامجا إصلاحيا في الأدبيات السياسية ذات الصلة، إلا أنه في جوهره مشروعٌ لإعادة صياغة النظام الفلسطيني، وضرب الذاكرة الفلسطينية الجمعية باستهداف المناهج المدرسية والسياسات الإعلامية والخطاب الديني، وتحطيم "أيقونات" الكفاح الوطني الفلسطيني، التي ارتبطت بالذاكرة، والشهداء والأسرى.
💬 التعليقات (0)