كثيرة هي مفارقات التقلبات التي تشهدها المنطقة، كما لو أنها، وبالتحديد الفلسطينية منها، جسدا تسجّى تحت مباضع التشريح، مقدمة ليتم نقله إلى دكة غسل الموتى.
بعد شهرين تقريبا، أو أكثر قليلا، تجري الانتخابات في الدولتين الوحيدتين الصديقتين المتحالفتين المتورطتين في حروب إبادية منذ حوالي ثلاث سنوات، لكن الدعاية الانتخابية القائمة على التحريض أكثر بكثير منها على الدعاية، قد ابتدأت فعلا وقولا ؛ لا لإقامة دولة فلسطينية، لا للانسحاب من غزة، لا للسلام مع السلطة في الضفة ولا مع أي تشكيل في غزة "لا فتحستان ولا حماسستان"، لا للسلام بالمطلق ولا حتى مع مجلسه الذي يترأسه دونالد ترمب بالمطلق "الصديق الوحيد المتبقي لإسرائيل في العالم، وفق جي دي فانس نائبه قبل بضعة أسابيع"، لا لوقف الاستيطان سواء في الضفة او غزة، وكأننا نفهم من ذلك ان من يجنح نحو السلام من المرشحين، سيجد نفسه خارج الحكم والسلطة والتمثيل والسياق والتاريخ.
في الولايات المتحدة الامريكية، وهي انتخابات نصفية، تنخرط فيها منظمات اللوبي الصهيوني على قدم وساق، وبالتأكيد انها تدعم المتطرفين من الحزب الجمهوري بمئات ملايين الدولارات، بل انها قد ذهبت أبعد من ذلك حين تتصدى لأي يساري من الحزب الديمقراطي حين يتنافس مع يساري أقل اومعتدل كما حدث مع مرشح ميشغان"عبدول" مؤخرا، ومن قبل مع ممداني في نيويورك.
في الولايات المتحدة، يختلف الامر اختلافا واضحا وشديدا، وكأنك هنا أمام شعبين مختلفين في دولتين متناقضتين لا تمتان إلى بعضهما بأي تحالف اوتشارك اوصداقة، بل كأنك أمام خصمين لدودين متضاربين ومتناقضين، هناك في أمريكا عكس هنا في إسرائيل، من يرفع شعار السلام هو الذي يفوز، ولهذا رأينا كيف نزل ترمب عن شجرته العنصرية الحربجية العالية، وتوقف عن تهديداته المعهودة بالقتل والحرق والمحو والابادة والعصر الحجري ومسح الحضارة الإيرانية، وشيئا فشيئا لن نتفاجأ في إنكاره قتل المرشد التسعيني و"طبقات القيادة" او الاعتذار المبطن عن هذه الجرائم، وربما نراه في قادم الأيام "يتغزل" بإيران وشعبها وقيادتها، وقد وصل به الأمر شخصيا القول إن أي مرشح امريكي يذهب إلى الانتخابات بدون دعم إسرائيل فإنه يفشل، أما اليوم فإنه يفشل اذا دعمته إسرائيل.
القضية الفلسطينية أبقى منكم ومن انتخاباتكم ومن تحالفاتكم، بل ومن تناقضاتكم الموسمية على أهميتها، التي في الغالب هي التي تقف خلفها، وفق التعبير الذي أطلقه السيد حسن: بركات غزة. منذ قرن تتآمرون عليها لوأدها، وفي كل مرة تخرج من جديد، كما في هذه المرة أيضا.
💬 التعليقات (0)