لم يكن اجتماع اللجنة الوزارية العربية والإسلامية المكلّفة بالتحرك الدولي لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس، الذي استضافته العاصمة عمّان قبل أيام، مجرد مناسبة لتجديد المواقف العربية والإسلامية تجاه القدس، وإنما يؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها هذه المواقف من إطارها السياسي إلى مسار قانوني منظم ومستدام. فالسؤال الأبرز بعد مخرجات اللقاء يتعلق بما يجب القيام به، وبكيفية تحويل التوافق العربي والإسلامي إلى تحرك جماعي يوظف أدوات القانون الدولي في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة.
فالقضية الفلسطينية لا تعاني من غياب المواقف العربية والإسلامية المؤيدة لها، إذ حافظت الدول عبر سنوات على موقف واضح يرفض المساس بمدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. إلا أن التحدي الأهم يكمن في الانتقال من وحدة الموقف السياسي إلى وحدة التحرك القانوني، بحيث لا تبقى ردود الفعل مرتبطة بكل تصعيد إسرائيلي على حدة، وإنما تصبح جزءا من استراتيجية عربية مستمرة.
وتزداد أهمية هذا التحول في ضوء التطورات القانونية الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة. فقد أكدت المحكمة عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات على الدول بعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عنه، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره. فهذا الرأي الاستشاري يشكل أرضية قانونية مهمة يمكن البناء عليها في أي تحرك عربي وإسلامي مقبل، ونقل المواقف السياسية تجاه القدس إلى مسارات قانونية أكثر فاعلية وتأثيرا.
ومن هنا، فإن المرحلة التالية لاجتماعات عمّان يجب أن تبدأ بتوحيد الخطاب القانوني العربي والإسلامي، من خلال صياغة حجج وأسانيد قانونية مشتركة يمكن تقديمها أمام المؤسسات الدولية، بما يؤسس لمفهوم "الدبلوماسية القانونية" التي تجعل من القانون الدولي جزءا أصيلا من التحرك السياسي والدبلوماسي العربي، وأداة فاعلة في الدفاع عن الوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس.
أما الخطوة التالية فتتمثل في الانتقال من تعدد التحركات الدولية إلى التنسيق بينها. فالجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة اليونسكو تعد مسارات دولية متعددة يمكن اللجوء إليها بشكل جماعي لحماية الحقوق الفلسطينية والوضع القانوني والتاريخي للقدس. وهذا يستلزم بالضرورة التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية باعتبارها ملفا قانونيا متراكما، يتم فيه توثيق كل إجراء يتعلق بالاستيطان أو تغيير الوضع القائم في الأماكن المقدسة أو المساس بالممتلكات أو الهوية التاريخية للمدينة.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا التحرك العربي الجماعي على المؤسسات الدولية، بل يجب أن يمتد إلى التأثير في مواقف دول العالم، وبناء تحالف قانوني ودبلوماسي أوسع مع الدول الصديقة والمنظمات الحقوقية. فالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية أكد ما يقع على عاتق الدول الأخرى من مسؤوليات، وفي مقدمتها عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره. وهذا ما يمكن للدبلوماسية القانونية العربية الجديدة البناء عليه لتحويل هذه الالتزامات إلى مواقف دولية أكثر اتساقا تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
💬 التعليقات (0)