لم تنشأ القيادة الفلسطينية في ظروف دولة طبيعية مكتملة السيادة، بل في سياق الاحتلال وغياب الدولة وتجزؤ المجال الوطني، ولذلك حملت منذ بداياتها وظائف تتجاوز إدارة السلطة: حملت القضية، ومثلت الشعب، وحافظت على حضوره السياسي، وأصبحت عنوانًا للاستمرارية الوطنية في مواجهة واقع لم يكن يسمح بقيام دولة فلسطينية مكتملة الوظائف. ومن هنا اكتسبت القيادة، مع الزمن، مكانة تتجاوز موقعها السياسي، وتحولت بعض رموزها إلى جزء من الذاكرة الوطنية وصورة الفلسطيني عن قضيته.
في ذلك السياق كان ارتباط القيادة بالقضية مفهومًا؛ لكن المشكلة بدأت عندما تحولت القيادة من أداة لخدمة المشروع الوطني إلى رمز للمشروع الوطني نفسه. فعندما يصبح تغيير القيادة أكثر من تغيير سياسي، ويُنظر إليه باعتباره احتمالًا لاهتزاز الوحدة والاستقرار والمشروع الوطني، يتغير السؤال من: هل تحتاج القيادة إلى التجديد؟ إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا سيحدث للقضية إذا تغيرت القيادة؟
وهنا تبدأ الحدود بين الشخص والمؤسسة، وبين القيادة والقضية، وبين الاستقرار وبقاء الوضع القائم، في التلاشي.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيدًا عن حقيقة أن الفلسطينيين يعيشون تحت احتلال قائم وفي ظل سيادة منقوصة. فالنظام السياسي الفلسطيني يعمل في بيئة لا تمتلك فيها مؤسساته كامل أدوات السيطرة، ويمكن لأي اضطراب داخلي أن يتقاطع مع الاحتلال والانقسام والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن الخوف من الفراغ السياسي ليس وهمًا؛ فالفراغ في الحالة الفلسطينية قد يتحول سريعًا إلى أزمة وطنية، وقد يجد الاحتلال في لحظة الضعف الداخلي فرصة جديدة للتدخل أو الاستنزاف.
لهذا قد يتمسك الفلسطيني بالاستقرار حتى عندما يكون غير راضٍ عن الوضع القائم. وقد يرى الحاجة إلى التغيير، لكنه يخشى أن يتحول إلى فوضى، والفوضى إلى انقسام، والانقسام إلى ضعف وطني. وهنا لا يعود الخوف من التغيير نابعًا من الرضا بالضرورة، بل من الخوف من المجهول وكلفة الانتقال.
والأهم أن هذا الخوف لا يبقى داخل مؤسسات الحكم؛ المجتمع نفسه يستشعره، أحيانًا بوعي وإدراك، وأحيانًا من دون أن يدرك أنه يعيد إنتاجه. فعندما تتكرر معادلة أن التغيير قد يؤدي إلى الفوضى، والفوضى إلى الانقسام، والانقسام إلى إضعاف القضية، يصبح الحفاظ على الوضع القائم في نظر البعض أقل خطورة من تغييره.
💬 التعليقات (0)