في كل صيف، تنعقد في إسرائيل حلقة نقاش إستراتيجي، حيث يجتمع رؤساء أركان سابقون، ورؤساء أجهزة استخبارات متقاعدون، ووزراء حاليون، وقادة أحزاب، وكبار الباحثين والخبراء، لمناقشة أكثر الملفات إلحاحا على الطاولة الإسرائيلية. ويحدث ذلك في إطار "مؤتمر الأمن القومي" الذي ينظمه معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أبرز مراكز الفكر الإستراتيجي في إسرائيل وأكثرها تأثيرا في دوائر صنع القرار الأمني.
ولإدراك أهمية هذا المؤتمر، لا بد أولا من التعرف إلى المؤسسة التي تقف وراءه، ومكانتها في دوائر الأمن القومي الإسرائيلي، قبل تناول أبرز ما طُرح في نسخته الأخيرة، التي عُقدت في أواخر يوليو/تموز 2026، وشملت 17 جلسة تناولت مختلف التحديات الأمنية، مع تركيز خاص على رسم خريطة التهديدات التي يُتوقَّع أن تواجه إسرائيل خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة.
نشأ معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في سياق المراجعات التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، بعدما تبلورت داخل إسرائيل قناعة بأن أحد أبرز أسباب المفاجأة إستراتيجية في بداية الحرب هو غياب جهة مستقلة خارج المؤسسة العسكرية والأمنية تتولى اختبار الفرضيات التي تبني عليها الحكومة والجيش تقديراتهما الأمنية. ومن هذا المنطلق، بادرت جامعة تل أبيب إلى إنشاء مركز متخصص للدراسات الإستراتيجية يتولى تقديم تقديرات مستقلة، وإخضاع افتراضات المؤسسة الأمنية للمراجعة والنقد.
وأُسندت مهمة تأسيس المركز إلى اللواء المتقاعد أهارون ياريف، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، الذي أصر على أن يتمتع المركز باستقلال عن مؤسسات الدولة، كي يتمكن من أداء دوره النقدي بحرية. وهكذا أُنشئ مركز الدراسات الإستراتيجية عام 1978، ليلعب دور منصة إنتاج تقديرات موجهة لصناع القرار، تسهم في مراجعة الفرضيات الأمنية، وتشكيل الإدراك العام للتهديدات، فضلا عن إضفاء شرعية أكاديمية على بعض التوجهات والسياسات الأمنية الإسرائيلية.
"واجه المركز في سنواته الأولى تحفظا داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية الإسرائيلية، لكنه نجح خلال فترة وجيزة في تعزيز مكانته"
وفي عام 1983، سُمي بمركز جافي للدراسات الإستراتيجية بعد حصوله على دعم مالي من رجل الأعمال الأمريكي ميلفين جافي. ورغم أن المركز واجه في سنواته الأولى قدرا من التحفظ داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية الإسرائيلية، فإنه نجح خلال فترة وجيزة في تعزيز مكانته من خلال دراسات تناولت أبرز قضايا الأمن القومي، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية، والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والحد من التسلح، والعلاقات المدنية العسكرية. ومع مرور الوقت، تراجعت مقاومة المؤسسة الرسمية لمشاركة المركز في النقاشات الأمنية، وأصبح يُنظَر إليه بوصفه ساحة محايدة تجمع العسكريين والدبلوماسيين والأكاديميين لمناقشة القضايا الإستراتيجية بعيدا عن الاعتبارات الحزبية.
💬 التعليقات (0)