كاتب ومحلل سياسي سعودي متخصص في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية، ورئيس مركز ديمومة للدراسات والبحوث.
يمكن النظر إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بوصفها اللحظة التي بدأت فيها نواة نظام أمني وسياسي إقليمي جديد بالتبلور، إذ تنقل العلاقة السعودية-التركية-الباكستانية من تقاطع المصالح إلى ترابط الردع، ومن شبكة تعاون ثنائي ومتعدد المسارات إلى التزام دفاعي ثلاثي مؤسسي.
ولا يعني ذلك بالضرورة نشوء نظام إقليمي مكتمل أو قيام بديل عن البنى والتحالفات القائمة بقدر ما يعني إضافة طبقة ردع تراكمية إليها، يمكن إذا اكتسبت أدواتها المؤسسية والعملياتية أن تسهم في إعادة تشكيل توازنات القوة، وإعادة تعريف مركز الثقل الأمني والسياسي في الفضاءين العربي والإسلامي.
ويكتسب هذا التحول دلالة أعمق حين يقرأ من خلال تكامل مصادر القوة بين الدول الثلاث؛ حيث يجتمع العمق المالي والاقتصادي والدبلوماسي السعودي مع القدرة العسكرية والتصنيعية التركية، والكتلة العسكرية والإستراتيجية الباكستانية ضمن بنية تتعزز قيمتها بترابط مكوناتها.
ولا ينبغي التعامل مع هذا التصور باعتباره معادلة رياضية بالمعنى الحرفي، بل نموذجا تفسيريا لفهم كيفية تحول القدرات الوطنية المنفصلة إلى قدرة مركبة؛ فالقيمة الإستراتيجية للاتفاقية لا تنتج من الجمع الحسابي لمصادر القوة لدى أطرافها، بل من الأثر المضاعِف الذي ينشأ عندما تسد قدرة كل طرف فجوة لدى الطرفين الآخرين.
من الترتيب الأمني إلى الالتزام المؤسسي
💬 التعليقات (0)