من بابل جنوب بغداد، المدينة التي ارتبط اسمها بأول القوانين في التاريخ، بدأت رحلة هذا التحقيق الذي يفتح ملف التجاوزات على المواقع الأثرية في عدد من المدن العراقية، لتقصي كيف وصلت المشاريع الاستثمارية إلى محيط مواقع حساسة يفترض أنها تتمتع بحماية قانونية وأممية من قبل منظمة "اليونسكو".
عند مدخل المدينة الأثرية، اصطفت شاحنات محملة بالحنطة بمحاذاة الموقع الأثري في مشهد رافق موسم تسويق الحنطة. وتقول السلطات المحلية إن تغيير مسار هذه الشاحنات نحو الطريق المحاذي للمدينة مجرد إجراء مؤقت لتخفيف الاختناقات المرورية داخل مركز الحلة حتى انتهاء الموسم.
غير أن المشهد لم يقتصر على الشاحنات؛ فالمناطق المحيطة بأسوار بابل أقيمت عليها مزارع سياحية ومنازل شُيدت على أراضٍ مصنفة زراعيا. ورغم أن السكان يؤكدون إقامتهم خارج حدود السور الأثري، فإن مختصين يوضحون أن طبيعة بابل تجعلها أشبه بـ"منجم أثري" مفتوح؛ إذ لم تكشف أعمال التنقيب سوى عن نحو 10% فقط من المدينة التاريخية حتى الآن، ما يعني أن أجزاء واسعة من آثارها لا تزال مدفونة تحت الأرض.
وفي المقابل، تتداخل مبررات أصحاب المنازل الذين يؤكدون شراء أراضيهم بموجب سندات زراعية نافذة بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالطابو مع أزمة السكن، بينما توضح إدارة مدينة بابل الأثرية التي رفضت الحديث الرسمي لـ"الجزيرة نت" أن جزءا من المشيدات يقع على أملاك خاصة بسندات عثمانية، فيما حُسمت بعض التجاوزات بتعويضات مالية مع استمرار رفض آخرين للإخلاء، فضلاً عن وجود مساكن مخصصة لموظفي الموقع شُيدت وفق مخططات رسمية قديمة.
لا يقتصر الخطر الذي يهدد المواقع الأثرية في العراق على التجاوزات العمرانية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ"التنقيب الاستثماري"، الذي تحوّل من وسيلة يفترض أن تخدم البحث العلمي إلى نشاط تحيط به شبهات استغلال وفساد.
وفي هذا السياق، يكشف علي طبر، موظف هيئة الآثار والتراث العراقية والناشط في توثيق التراث، لـ"الجزيرة" عن آلية يصفها بالكارثية؛ إذ يشتري بعض المستثمرين حصصا عقارية داخل الأراضي التي تضم مواقع أثرية بأسعار متدنية، ثم يثبتون ملكيتهم قانونيا قبل التقدم بطلبات للحصول على موافقات بالتنقيب.
💬 التعليقات (0)