الأحد 09 أغسطس 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس
حلّت قبل أيام الذكرى الخمسون لرحيل والدي ممدوح صيدم (أبو صبري)، لتترافق مع هذه الذكرى مناسبة أُخرى وهي الذكرى الخامسة عشرة لرحيل والدتي جميلة صيدم. مناسبتان لا تشبهان سواهما حتماً، لأن الذاكرة حين تستعيد من أحببناهم لا تستدعي صوراً عابرة ولا محطات قد يعتقد البعض بأنها قد تساقطت بالتقادم، بل تستحضر تاريخاً أصيلاً من الحضور والعطاء والانتماء، وتفتح نوافذ على زمن شارك فيه والدي، مع إخوته وأخواته، في تأسيس قواعد الثورة الفلسطينية المعاصرة وإطلاقها، في خطوة شكلت تحولاً جذرياً في تاريخ فلسطين، لتتبعه والدتي وتساهم بدورها في محطات نضالية متعددة، سيحتاج مني الاثنان مقالاً أطول لتغطية السيرة والمسيرة بشكلٍ أوفى.التكريم هذه المرة لم يأتِ ليغطي البعدين الرسمي والميداني، بل جاء ليتناول جانباً من الحياة الشخصية؛ لتلك الحياة القصيرة جداً، والتي لم تستمر فعلياً سوى لبضعة أشهر قصار قضاها والداي مع بعضهما.هنا وجدتني أمام سؤال إنساني قبل أن يكون تقنياً: كيف يمكن أن نعيد إلى الذاكرة شيئاً من ملامح من غابوا؟ وكيف يمكن للقطاتٍ قديمةٍ أن تحيي حضور الأحباب وتفرح قلوبنا بتفاصيل من غاب، خاصة والدي الذي لم أراه في حياتي كونه فارق الدنيا بعد أسابيع من ميلادي؟الذكاء الاصطناعي وفر الحل، وأوجد الوسيلة، ليكون بمثابة الجواب المتميز والمختلف، بحيث لا يتعامل مع الصور القليلة لوالديّ بوصفها مجرد ملفات رقمية قديمة، بل يسعى لقراءة تفاصيل تلك الصور، واستعادة ملامحها الدقيقة، وتحوّيل السكون الفوتوغرافي إلى مساحة نابضة بالحياة، إذ يمكن اليوم وبأدوات معالجة الصور التوليدية تحسين الدقة، وإزالة التشوهات، وترميم الأجزاء المفقودة، بل وإعادة بناء تعابير الوجه والإضاءة والخلفية ضمن احتمالات تستند إلى البيانات البصرية المتاحة.المفاجأة لم تكن في التقنية وحدها، إذ كشف الذكاء الاصطناعي، من خلال الصور المنتقاة، حقائق وجدانية ممتعة ربما لا تتسع لها اليوم المساحات المتاحة لمقالات الكتب.حقائق أنعشت قلوبنا، وأبرزت ملامح تاريخية كانت بعض تفاصيلها مختبئة في الذاكرة. صار بالإمكان أن نرى شيئاً من الخفايا: أماكن التصوير، وتفاصيل الملابس، وأسباب الضحكات والابتسامات في الصور، وحتى أبسط الملامح الصغيرة التي كنا نظن أنها ذهبت إلى الأبد. ولو أن طبيعة هذه المساحة المتاحة للمقال سمحت بإرفاق نماذج محددة لفعلت.هذا الأمر برمته إنما يفتح باباً تقنياً وأخلاقياً في آن واحد: فكل عملية ترميم تحتاج إلى تمييز واضح بين ما استعادته الخوارزمية من بيانات حقيقية، وما اقترحته نماذج التوليد. فالذكاء الاصطناعي قد يملأ الفراغات، لكنه لا يستطيع ملء فراغ الفقد؛ وقد يحسن الصورة، لكنه لا يستطيع تحسين الذاكرة نفسها. ولا يعيد نبض أصحابها.وهنا تكمن المفارقة الجميلة: التقنية التي نخشى أحياناً أن تبعد الإنسان عن إنسانيته، استطاعت أن تعيده إلى أكثر مناطق إنسانيته عمقاً؛ إلى ذاكرة أم وأب، إلى ابتسامة، وإلى زمن لا يمكن استعادته إلا بالحضور المباشر أو الذكرى الغنية بالتفاصيل.غير أن علينا أن نتذكر أن الذكاء الاصطناعي لا يعيد الموتى إلى الحياة، ولا يمنحنا الماضي كما كان، إنما يعيد بناء تفاصيل بصرية اعتماداً على ما توفر له من صور وبيانات. ولذلك تبقى الصورة المولدة تأويلاً تقنياً للذكرى، لا بديلاً عن الحقيقة، بينما ترتبط جودتها ودقتها بطبيعة التطبيق المستخدم.اليوم لم أعد وغيري نرى صور أحبابنا كما كنا نراها من قبل. التكنولوجيا صارت جسراً بين زمنين، وصارت كل "بكسلة" تحمل شيئاً من الحكاية. وربما يكون من أجمل ما يفعله الذكاء الاصطناعي، خاصة حين نعجز عن استعادة من نحب، فيساعدنا هو على استعادة شعورنا بهم. للحديث بقية![email protected]ملاحظة:المقال مدّعم بمساهمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
أمي وأبي والذكاء الاصطناعي
المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)