قمت مؤخراً بزيارات ميدانية إلى البلديات في مدن وقرى شمال الضفة الغربية وجنوبها، وقد أصابني الرعب حين رأيت حجم التغيير الذي يحدث يومياً على صعيد تطوير البنية التحتية للمستوطنين من جهة، وتضييق الخناق على الفلسطينيين وحصارهم من جهة أخرى. أدركت في تلك اللحظة أننا كفلسطينيين نعيش في أربعة سجون: ثلاثة داخل فلسطين، ورابع يعيش فيه لاجئونا في لبنان وسوريا.
السجن الأول: زنازين الاحتلال
السجن الأول هو ذلك الذي يعرفه شعبنا جيداً وتعرفه أم كل مناضل وأخته وابنه وابنته: نظام الاعتقال الإسرائيلي، حيث يقبع الأسرى الفلسطينيون – أولئك المناضلون من أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات- ويعانون من إساءات منهجية وظروف مهينة بما فيها الإذلال والضرب ومنع الطعام والدواء بسبب السياسات القمعية اللاإنسانية التي يفرضها الوزير المتطرف إيتمار بن غفير. لقد حولت تعليمات هذا الوزير الفاشي التعذيب والإهمال والإذلال إلى أدوات عقاب، محولة السجون الإسرائيلية إلى غرف تعذيب تنتهك أبسط معايير الكرامة الإنسانية والقانون الدولي. إن معاناة الأسرى داخل هذه الزنازين ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني عبر استهداف رموز نضاله وقاماته الوطنية.
السجن الثاني: غزة المقبرة الجماعية
خلف جدران السجن الأول، يمتد سجن ثانٍ أكبر حجماً وأفظع قسوة: قطاع غزة. ما رأيناه على شاشات التلفاز من حرب إبادة وما يتكشف هناك اليوم غير مسبوق في حجمه ووحشيته. فقد تحولت أحياء بأكملها إلى ركام، ومُحيت عائلات بكاملها من السجلات المدنية، وأصبح أكثر من مليوني إنسان محاصرين دون طعام أو ماء أو دواء أو مخرج. لقد تحولت غزة مراراً وتكراراً إلى سجن مفتوح شاسع، حدوده مغلقة، وسماؤه مراقبة، ومستقبله يُمحى بشكل منهجي. ومع ذلك، فما يريده الإسرائيليين هو أن تمحى غزة بالكامل أو تذهب إلى الجحيم أو كما عبّر زعيمهم السابق اسحق رابين عن رأيه متمنياً أن "تغرق غزة في البحر". هذا الموقف ليس مجرد قسوة، بل هو تجسيد لعقلية تتعامل مع حياة الملايين وكأنها مجرد أرقام أو عوائق في طريق مشروع استيطاني استعماري وتطهير عرقي.
السجن الثالث: الضفة الغربية المحاصرة
💬 التعليقات (0)