كان السؤال قبل سنوات الذي يطرحه الباحث عند دخوله الإنترنت سؤلاً بسيطاً: هل هذه المعلومة صحيحة؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل الذي كتبها إنسان أصلاً؟
كان الإنترنت سابقاً مساحةً تعكس البشر؛ أفكارهم، تجاربهم، صورهم، وأخطائهم أيضاً، كانت المدونات تُكتب بأصابع أصحابها، والمراجعات يكتبها مستخدمون حقيقيون، والمنتديات تعج بالنقاشات التي تحمل اختلافات البشر وعفويتهم، وأحياناً (شطحاتهم) أما اليوم، فنحن ندخل عصراً جديداً قد يصبح فيه الإنسان أقلية وسط بحر من المحتوى الذي تنتجه الآلات.
يطلق بعض الباحثين على هذه الفكرة اسم "نظرية الإنترنت الميت" (Dead Internet Theory)، وهي فرضية تقول إن جزءً متزايداً من المحتوى الذي نتصفحه لم يعد من إنتاج البشر، بل من خوارزميات الذكاء الاصطناعي والحسابات الآلية، ورغم أن النظرية في صورتها المتطرفة تبقى موضع جدل، فإن الواقع الذي نعيشه يدفعنا إلى الاعتراف بأن الإنترنت يتغير بسرعة غير مسبوقة.
اليوم يستطيع نموذج ذكاء اصطناعي واحد إنتاج آلاف المقالات خلال ساعات، وإنشاء ملايين التعليقات، وكتابة مراجعات للمنتجات، وصياغة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى إجراء محادثات كاملة تبدو وكأنها صادرة عن أشخاص حقيقيين، ومع انخفاض تكلفة إنتاج المحتوى إلى مستويات غير مسبوقة، أصبح الفيضان الرقمي حقيقة لا يمكن تجاهلها.
تشير تقديرات وتقارير حديثة إلى أن نسبة معتبرة من المحتوى المنشور على الإنترنت أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على أدوات الذكاء الاصطناعي، كما تتوقع مؤسسات بحثية أن يشهد الإنترنت خلال السنوات المقبلة نمواً هائلاً في المحتوى المولد آلياً، خصوصاً في مجالات الأخبار التسويقية، والمدونات، وخدمة العملاء، والتعليم، والتجارة الإلكترونية. والسؤال لم يعد: هل يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ بل: إلى أي مدى أصبح الإنسان يكتب بنفسه؟
لكن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، فهو أداة مذهلة ترفع الإنتاجية وتختصر الوقت، المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنترنت دائرة مغلقة؛ ذكاء اصطناعي يقرأ محتوى كتبه ذكاء اصطناعي، ثم يعيد إنتاجه في دورة لا تنتهي، عندها تبدأ جودة المعرفة بالتراجع تدريجياً، لأن الآلة لم تعد تتعلم من الخبرة الإنسانية، بل من انعكاس إنتاجها السابق.
💬 التعليقات (0)