لقد نجونا ودخلنا غزّة، والآن نحن في جوف المقابر الجماعيّة، تحت الأنقاض، والآن نحن نلملم أجسادنا المبعثرة وذكرياتنا، وأصابعنا العشر، نأكل خبز السّلام الأمريكيّ، طحينا وخوفا ودما، نحن جثثٌ حيّة تحت الخيمة في غزّة، وجثثٌ تبتسم في رام الله، تُطلّ على موتها السّابق من ذاكرة ومجزرة.
لن يصدّق أحد أنّني جثّة، يكتب الشّاعر الصّديق إيهاب بسيسو ديوانه الشّعريّ الّذي حمل هذا العنوان والصّادر عن دار طباق للنّشر والتّوزيع، صوت جثّة لا تدري إن كانت هي على الأرض أمْ في السّماء، قصائد تتماوج مع النّثر البليغ، وإيقاع النّشيد متعدّد التّأويل حتّى الموت المشحون بعواطف الرّعد، يتداخل الواقع مع المُخيِّلة، المنطق مع الحلم، الوعي مع الحدس، القصائد متوتّرة، موجعة، بلاغة الجثّة في النّصّ الّتي تأتي من مكان غامض بين الكتابة والكلام.
فلجأت إلى وسادة الكناية).
نحن في رام الله، نجونا والحمد لله، لم يصلِ الصّاروخ إلى شارع ركب، وصل المستوطن والمسدّس، رأيناهم يطلقون الرّصاص على ظلالنا لنصير صدى، طريقة جديدة للذّوبان صمتًا أو اختفاءً بخفّة في الظّلال الدّاكنة، فشكرًا ليوم القيامة الّذي جمعنا منقسمين إلى جثث مفتّتة وجثث مكتملة.
يُحدّق مرّة أخرى في ملامحك المُنهَكَة).
كلّ جثّة هي أنت، وكلّ جثّة هي لك، الموت ليس موت الجسد، الموت الدّاخليّ، موت الرّوح هي أخطر أنواع الموت، أن تكون ميّتًا وحيًّا في نفس الوقت، مشطورا إلى موتين: الموت السّياسيّ والثّقافيّ، وموت الإرادة والذّاكرة، جسدك الحيّ في قبر يُسمّى الصّمت والبلادة، وجسدك الميّت هامدا بين تمزّقات الأمكنة، ولا تستعجل جنازة من أحد، حين يطلُّ الموت، موتك من زجاج النّافذة.
💬 التعليقات (0)